الصفحة 92 من 114

ولنا أن نقول: إن السبب في إبقاء علي على أهل الفتنة في جيشه وعدم إقامة الحد عليهم؛ أنهم - أي أهل الفتنة - كانوا سادات في أقوامهم، فكان علي يرى أن يصبر عليهم إلى أن تستقر الأمور .. فقد كان رضي الله عنه ينظر إلى القضية نظرة مصلحة ومفسدة، فرأى أن المصلحة تقتضي تأخير القصاص لا تركه، فأخر القصاص من أجل هذا ..

وله في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة .. ففي حادثة الإفك تَكَلم في الطاهرة المطهرة عائشة رضي الله عنها بعض الناس، وكان الذي تولى كبر هذا الأمر عبد الله بن أبي بن سلول، فلما قال النبي صلى الله عليه وسلم: من يعذرني في رجل وصل أذاه إلى أهلي؟ قام سعد بن معاذ وقال: أنا أعذرك منه يارسول الله، إن كان منّا معشر الأوس قتلناه، وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا بقتله، فقام سعد بن عبادة فرد على سعد بن معاذ، وقام أسيد بن حضير فرد على سعد بن عبادة، فثار الحيان الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا، فصار النبي صلى الله عليه وسلم يخفضهم حتى سكتوا وسكت. انظر الخبر بتمامه في البخاري حديث رقم (4141) .

ولنسأل أنفسنا: لماذا لم يقم النبي صلى الله عليه وسلم حد القصاص على ابن سلول؟

الجواب: لاشك أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد اغتم بهذه الإشاعة وأعلن على الملأ وفي المسجد ثقته بزوجته وبصاحبه ابن المعطل، ولكن حسن تصرف النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الحادثة، أوقف فتنة كادت أن تقع بين الحيين، وقد دلت هذه المعالجة من الرسول صلى الله عليه وسلم للمشكلة التي حاول ابن سلول استغلالها على حسن سياسة الرسول صلى الله عليه وسلم في تدبير الأمور وتجنب المشاكل وتفويت الفرص على المغرضين المندسين بين صفوف المؤمنين، وكان نتيجة ذلك أن جافى ابن سلول قومه، فكانوا هم الذين يعنفونه ويفضحون دسائسه ..

وقد أجاب عدد من العلماء عن الحكمة التي من أجلها ترك النبي صلى الله عليه وسلم إقامة الحد على ابن سلول .. من مثل القرطبي رحمه الله في تفسيره (12/ 201 - 202) بقوله: وإنما لم يحد عبد الله بن أبي لأن الله قد أعد له في الآخرة عذابًا عظيمًا، فلو حد في الدنيا لكان ذلك نقصًا من عذابه في الآخرة وتخفيفًا عنه، مع أن الله تعالى قد شهد ببراءة عائشة رضي الله وبكذب كل من رماها، فقد حصلت فائدة الحد إذ المقصود إظهار القاذف وبراءة المقذوف ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت