فهرس الكتاب
وقال أيضًا: ويحتمل أن يقال إنما ترك حد ابن أبي استئلافًا لقومه واحترامًا لابنه، واطفاء لثائرة الفتنة المتوقعة من ذلك، وقد كان ظهر مبادئها من سعد بن عبادة ومن قومه.
قال ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد (2/ 127 - 128) : وقيل الحد لا يثبت إلا ببينة أو إقرار - كما هو الحال بالنسبة لقتلة عثمان، فإنهم أعلاج من قبائل شتى -، وهو لم يقر بالقذف ولا شهد به عليه أحد، فإنه كان يذكره بين أصحابه، ولم يشهدوا عليه، ولم يكن يذكره بين المؤمنين ..
وقال أيضًا: وقيل بل ترك حده لمصلحة هي أعظم من إقامته عليه، كما ترك قتله مع ظهور نفاقه وتكلمه بما يوجب قتله مرارًا، وهي تأليف قومه وعدم تنفيرهم عن الإسلام، فإنه كان مطاعًا فيهم، رئيسًا عليهم - كذلك الحال بالنسبة لقتلة عثمان رضي الله عنه -، فلم يؤمن إثارة الفتنة في حده ..
قلت: وقد علم النبي صلى الله عليه وسلم عظم مكانة ابن سلول في قومه .. فإنه وقبل مجيء النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة كان الأوس والخزرج قد اتفقوا على أن يجعلوا عبد الله بن أبي ملكًا عليهم، فهو له عندهم منزلة عظيمة، ولا ننسى موقفه في غزوة أحد حين رجع بثلث الجيش .. لهذا السبب ترك النبي صلى الله عليه وسلم إقامة الحد عليه للمصلحة التي ينشدها، وتجنبًا للمفسدة التي ستترتب على إقامة الحد عليه، إذ رأى أن جلده أعظم مفسدة من تركه ..
وهكذا كان موقف علي رضي الله عنه من قتلة عثمان بن عفان رضي الله عنه، رأى تأخير القصاص أقل مفسدة من تعجيله، لأن عليًا رضي الله عنه لايستطيع أن يقتل قتلة عثمان أصلًا، والسبب في ذلك أن لهم قبائل تنتصر لهم وتدافع عنهم، والأمن غير مستتب، ومازالت الفتنة مستمرة، ولا أدل على ذلك من قيام هؤلاء الخوارج من قتل علي رضي الله عنه بعد أن حاربهم في النهروان، وكذلك المحاولة التي تعرض لها كل من معاوية وعمرو رضي الله عنهما .. ولا ننسى محاولات القتل التي تعرض لها الحسن بن علي رضي الله عنهما على يد هؤلاء الخوارج ..
وقد أجاب الإمام الطحاوي رحمه الله عن سبب تأخر علي رضي الله عنه في إقامة الحد على قتلة عثمان رضي الله عنه بقوله: و كان في عسكر علي رضي الله عنه من أولئك الطغاة الخوارج الذين قتلوا عثمان