الصفحة 95 من 114

و إن السياسة الحكيمة تقتضي ما كان ينادي به أمير المؤمنين علي رضي الله عنه من التريث و الأناة وعدم الاستعجال؛ إذ إن الأمر يحتاج إلى وحدة الصف و الكلمة لإيجاد موقف موحد، و مواجهة ذلك التحدي الذي يهدد مركز الخلافة، بيد أن الخلاف في الرأي أضعف مركز الخلافة الجديد، و قضى بالتالي على كل الآمال في نيل ثأر الخليفة المقتول.

ولذلك لما وصلت الخلافة إلى معاوية لم يقتل قتلة عثمان أيضًا؟ والسبب: لأنه صار يرى ما كان يراه علي رضي الله عنه من قبل، فعلي رضي الله عنه كان يرى قضية إيقاع القصاص على قتلة عثمان واقعًا، في حين كان معاوية رضي الله عنه يراه نظريًا، فلما آلت الخلافة إليه، رآه واقعًا ..

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: بل لم يكن عليّ مع تفرق الناس عليه متمكنًا من قتل قتلة عثمان إلا بفتنة تزيد الأمر شرًا وبلاء، ودفع أفسد الفاسدين بالتزام أدناهما أولى من العكس، لأنهم كانوا عسكرًا، وكان لهم قبائل تغضب لهم.

وقال أيضًا: ولما سار طلحة والزبير رضي الله عنهما إلى البصرة ليقتلوا قتلة عثمان، قام بسبب ذلك حرب قتل فيها خلق، ومما يبين ذلك أن معاوية قد أجمع الناس عليه بعد موت علي، وصار أميرًا على جميع المسلمين، ومع هذا فلم يقتل قتلة عثمان الذين كانوا قد بقوا .. إلى أن قال: وذلك أن الفتن إنما يعرف ما فيها من الشر إذا أدبرت، فأما إذا أقبلت فإنها تزين، ويظن أن فيها خيرًا، فإذا ذاق الناس ما فيها من الشر والمرارة والبلاء، صار ذلك مبينًا لهم مضرتها، وواعظًا لهم أن يعودوا في مثلها .. والذين دخلوا في الفتنة من الطائفتين لم يعرفوا ما في القتال من الشر، ولا عرفوا مرارة الفتنة حتى وقعت، وصارت عبرة لهم ولغيرهم، ومن استقرأ أحوال الفتن التي جرت بين المسلمين، تبين له أنه ما دخل فيها أحد فحمد عاقبة دخوله .. انظر: أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان، لشيخ الإسلام ابن تيمية (ص 48 - 50) .

ولاشك أن الحالة التي يعيشها الخليفة الراشد علي رضي الله عنه، والوضع الذي أدركه حينذاك، خلاف ما يظنه المطالبون بدم عثمان رضي الله عنه من أهل الشام وغيرهم، وذلك يكمن في أمور جِد خطيرة لها اعتبارها وملابساتها مما نحسبه قد خفي عليهم، منها:-

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت