فهرس الكتاب

الصفحة 49 من 95

إنه لم يتغير شيء مما حولي، ولكن لقد تغير كل شيء في حسي! إنها نعمة ضخمة أن يتفتح القلب لحقيقة كبرى من حقائق هذا الوجود، كالحقيقة الكبرى التي تتضمنها هذه الآية، نعمة يتذوقها الإنسان ويعيشها، ولكنه قلما يقدر على تصويرها، أو نقلها للآخرين عن طريق الكتابة، وقد عشتُها وتذوقتها وعرفتها. وتم هذا كله في أشد لحظات الضيق والجفاف التي مرت بي في حياتي. وها أنا ذا أجد الفرج والفرح والرِّي والاسترواح والانطلاق من كل قيد ومن كل كرب ومن كل ضيق وأنا في مكاني! إنها رحمة الله يفتح الله بابها ويسكب فيضها في آية من آياته. آية من القرآن تفتح كوة من نور، وتفجر ينبوعًا من الرحمة، وتشق طريقًا ممهودًا إلى الرضا والثقة والطمأنينة والراحة في ومضة عين وفي نبضة قلب وفي خفقة جنان. اللهم حمدًا لك. اللهم منزل هذا القرآن. هدًى ورحمة للمؤمنين ..." [1] ."

وفي آخر سورة النجم، وفي حادث السجود، وبعد رفضه لقصة"الغرانيق"، وترجيحه أن سجود المشركين كان بتأثير سلطان القرآن - يجد في إحساسه مُستأنَسًا لصحة حادث سجود المشركين عند سماعها، فبينما كان الشهيد مع رُفقة من أصحابه إذ طرق أسماعهم صوت قارئ للقرآن من قريب، يتلو سورة النجم فأنصتوا لهذا الصوت، ومضى القارئ وسيد قطب يعيش معه حيث الرسول وما رآه من آيات كبرى وهو لا يطيق تصور ذلك الملأ الأعلي، والكائن البشري وهو في بطن أمه، وعلم الله يحيط به، ثم يرتجف الشهيد عند الحساب والجزاء وعند مصارع الأمم السابقة:"ثم جاءت الصيحة الأخيرة، واهتز كياني كله أمام التبكيت الرعيب،"أفمن هذا الحديث تعجبون. وتضحكون ولا تبكون وأنتم سامدون؟"."

فلما سمعت:"فاسجدوا لله واعبدوا".. كانت الرجفة قد سرت من قلبي حقًّا إلى أوصالي، واستحالت رجفة عضلية مادية ذات مظهر مادي، لم أملك مقاومته، فظل جسمي كله يختلج، ولا أتمالك أن أثبته، ولا أن أكفكف دموعًا هاتنة، لا أملك احتباسها مع الجهد والمحاولة.

وأدركت في هذه اللحظة أن حادث السجود صحيح، وأن تعليله قريب، إنه كامن في هذا السلطان العجيب لهذا القرآن، ولهذه الإيقاعات المزلزلة في سياق هذه السورة، ولم تكن هذه أول مرة أقرأ فيها سورة النجم أو أسمعها. ولكنها في هذه المرة كان لها هذا الوقع

(1) الظلال: 5/ 2924.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت