فهرس الكتاب

الصفحة 48 من 95

الذكر الحكيم" [1] "

ومن ثم رسخت معتقداته الحركية، وازدادت خبراته العملية، فقرأ القرآن، وسمعه كأنه يتنزل أول مرة، وكما يقول:"ولن تنكشف أسرار هذا القرآن قط للقاعدين الذين يعالجون نصوصه في ضوء مدلولاتها اللغوية والبيانية فحسب، وهم قاعدون" [2] .

ويقول:"وبدون هذه الحركة لم يعد الناس يدركون من أسرار هذا القرآن شيئًا، فهذا القرآن لا يدرك أسراره قاعد، ولا يعلم مدلولاته إلا إنسان يؤمن به ويتحرك به في وجه الجاهلية لتحقيق مدلولاته ووجهته وإني لأهيب بقراء هذه الظلال ألا تكون هي هدفهم من الكتاب، إنما يقرءونها ليَدْنوا من القرآن ذاته، ثم ليتناولوه عند ذلك في حقيقته، ويطرحوا عنهم هذه الظلال. وهم لن يتناولوه في حقيقته إلا إذا وقفوا حياتهم كلها على تحقيق مدلولاته وعلى خوض المعركة مع الجاهلية باسمه وتحت رايته" [3] .

ثالثا: معايشة القرآن في عصر التنزيل.

ومن الثمار العظيمة كذلك التي أنتجتها تجربة الشهيد أنه كان يجد في نفسه تأثيرًا للقرآن كما لو كان يعيش أيام التنزيل مع النبي وصحابته، ففي تفسيره لقوله تعالى:"ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم" [4] بعدما سجل خواطره الفياضة حولها - وهي من أنفس ما في الظلال - قال:"لقد واجهتني هذه الآية في هذه اللحظة وأنا في عسر وجهد وضيق ومشقة. واجهتني في لحظة جفاف روحي، وشقاء نفسي، وضيق بضائقة، وعسر من مشقة، واجهتني في ذات اللحظة، ويسر الله لي أن أطلع منها على حقيقتها، وأن تسكب حقيقتها في روحي، كأنما هي رحيق أرشفه وأحس سريانه ودبيبه في كياني، حقيقة أذوقها لا معنى أدركه، فكانت رحمة بذاتها، تقدم نفسها لي تفسيرًا واقعيًّا لحقيقة الآية التي تفتحت لي تفتحها هذا، وقد قرأتها من قبل كثيرًا، ومررت بها من قبل كثيرًا، ولكنها اللحظة تسكب رحيقها وتحقق معناها، وتنزل بحقيقتها المجردة، وتقول: ها أنا ذا .. نموذجًا من رحمة الله حين يفتحها، فانظر كيف تكون!"

(1) هذه العبارة استعرتها من الزعيم سعد زغلول، وقد قالها يصف بها وحي القلم للرافعي.

(2) في ظلال القرآن: 3/ 1453.

(3) الظلال: 4/ 2038، 2039.

(4) فاطر: 2.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت