فهرس الكتاب

الصفحة 56 من 95

ويتَّبع الشهيد قاعدة أخرى في تناوله للقرآن، وهى تقسيم السورة إلى مقاطع أو - على حد تعبيره - أشواط، لكل شوط هدف رئيسي، ولا تتخلف القاعدة الأولى هنا [1] - أعنى التقديم للسورة أو الجزء - فهو يقدم كل شوط بمقدمة يبين فيها هدفه الخاص، وموضوعه الرئيس، لكن كل هذه الأهداف التي تضمنتها الأشواط تصب جميعًا في الهدف العام، والمقصد الأساسي الذي تعالجه السورة.

وبعد أن طوفنا على منهج سيد قطب في تفسيره، وبينَّا طريقة عرضه للسور - نقرر أن الشهيد يقوم نموذجًا فريدًا، ومثالًا وحيدًا بين مفسري القرآن الكريم - على كثرة التفاسير وتنوعها - لا لشيء إلا أنه علق القرآن بالواقع العملي، واستنزل نصوصه على الحياة، واستنهض الواقع والحياة معًا لهداية القرآن؛ لأن القرآن إنما نزله الله؛ لكي يستهديه المسلمون في كل زمان ومكان، ويُحكِّموه فيما شجر بينهم.

إنه المنهج الذي يقرب بين الإنسان وبين كلام ربه، فيشعر أنه يناجيه هو، ويناديه هو، ويأمره هو، وينهاه هو؛ ليأخذ من خلاله معتقداته وأخلاقه، وشعائره وشرائعه، وأفكاره وتصوراته، وعاداته وتقاليده، وقيمه وموازينه، وكل ما دق وجل من أمور دينه ودنياه مباشرة دون حائل يحول بينه وبين ذلك.

إنه المنهج الذي يوضح الحقائق الكبرى حول الله والكون والحياة، ويبين الحقائق الروحية، والمناهج العملية، ويثير النفوس للحركة، فتأخذ منه ما تحتاج، وتنهل منه ما تريد، فتنطلق متحركة بمنهج الله قائمة بتبعات العقيدة مستهدفة خدمة الإسلام، وإعلاء رايته، واستعادة سلطانه.

لقد تخفف الشهيد من قيود كثيرة تعوقه عن الالتحام المباشر بالقرآن ليستخرج كنوزه، ويسبر أغواره، ويقف على حِكَمه وأسراره؛ ولهذا لم يسمِّ الكتاب تفسيرًا، إنما أسماه"في ظلال القرآن" (إلى جانب ما تُشعِر به هذه التسمية من أدب جم، وتواضع حميد خليق بأن يتحلى بهما من عاش حياته في رحاب القرآن ثم بذلها فداء عقيدة القرآن) [2] .

(1) اتجاهات التجديد: 587.

(2) راجع اتجاهات التجديد: 570.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت