فهرس الكتاب
يمكن أن نطلق على الأول:"سبب اجتماعي"، والثاني:"سبب ديني".
يبين معللًا سبب النقل:"أن العرب لم يكونوا أهل كتاب ولا علم، وإنما غلبت عليهم البداوة والأمية، وإذا تشوقوا إلى معرفة شيء مما تشوق إليه النفوس البشرية في أسباب المكونات وبدء الخليقة وأسرار الوجود فإنما يسألون عنه أهل الكتاب قبلهم،"
ويستفيدونه منهم، وهم أهل التوراة من اليهود ومن تبع دينهم من
النصارى" [1] ."
قال ابن خلدون:"وتساهل المفسرون في مثل ذلك، وملؤوا كتب التفسير بهذه المنقولات، وأصلها كما قلنا من أهل التوراة الذين يسكنون البادية ولا تحقيق عندهم بمعرفة ما ينقلونه من ذلك. إلا أنهم بعُدَ صيتهم، وعظمت أقدارهم لما كانوا عليه من المقامات في الدين والملة، فتُلقِّيَت بالقبول من يومئذ" [2] .
ومن التفاسير التي نجد فيها هذه الإسرائيليات: تفسير الخازن، وتفسير القرطبي، وتفسير ابن كثير، إلا أن الأخير يتعرض لها بالنقد والتحليل.
أما مفسرنا الشهيد فله موقف حاسم صارم تجاه هذه الإسرائيليات وتلك الأخبار، وقد استمد هذا الحسم من القرآن ذاته، وهو أن ظاهر النص يكفى، ويجب أن نقف عند حدود ما تعطيه الكلمات، فلو كان لذكر ذلك فائدة لأفصح الله عنها، وفصلها لنا تفصيلًا.
يقول عند حديثه عن قصة آدم وإبليس والشجرة المحرمة والجنة:"أين كان هذا الذي كان؟ وما الجنة التي كان فيها آدم وزوجته حينًا من الزمان؟ ومن هم الملائكة؟ ومن هو إبليس؟ .. كيف قال الله لهم وكيف أجابوه؟ ..."
هذا وأمثاله في القرآن الكريم غيب من الغيب الذي استأثر الله تعالى بعلمه، وعلم بحكمته أن لا جدوى للبشر في معرفة كنهه وطبيعته، فلم يهب لهم القدرة على إدراكه والإحاطة به، بالأداة التي وهبهم إياها لخلافة الأرض، وليس من مستلزمات الخلافة أن نطلع على هذا الغيب. وبقدر ما سخر الله للإنسان من النواميس الكونية وعرفه بأسرارها
(1) المقدمة: 3/ 1031، دار نهضة مصر، الطبعة الثالثة، بتحقيق: علي عبد الواحد وافي.
(2) السابق: 3/ 1032.