فهرس الكتاب
وتلك قضية لا تقل خطورة عن السابقة، فقد حفل تراثنا الفكري بالإغراق والتفلسف حول الآيات المتشابهة، وخاضوا في مباحث كلامية وفلسفية ما كان أغناهم عنها!
والمتشابه من القرآن هو ما استأثر الله بعلمه، ولا يُدرَك معناه عقلًا ولا نقلًا، ويحتمل أوجهًا عدة، وكانت دلالته غير راجحة.
وهو خلاف علم المتشابه الذي هو إيراد القصة الواحدة في سور شتى وفواصل مختلفة، ويكثر في إيراد القصص والأنبياء [1] .
وجمهور أهل السنة من السلف وأهل الحديث على الإيمان بها، وتفويض معناها المراد منها إلى الله تعالى، ولا نفسرها مع تنزيهنا له عن حقيقتها، والأثر الذي روي عن الإمام مالك في ذلك أشهر من أن يُذكر وهو:"الكيف مجهول، والاستواء معلوم، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة".
أما الخلَف فلهم مذهب آخر وهو التأويل، لكن مع ما يليق بجلال الله تعالى، ومن أمثلة ذلك: قوله تعالى:"وهو معكم أينما كنتم" [2] . قالوا إن الكينونة بالذات مع الخلق مستحيلة، فليس لها إلا أن تنصرف إلى الكينونة بالعلم والإحاطة، وكذلك قوله:"ولتصنع على عيني" [3] .
قالوا إن حرف"على"يفيد الفوقية، ومستحيل أن يُصنع موسى فوق عين الله، فوجب الانصراف إلى الرعاية والعناية، وهكذا [4] .
ويجب أن نرد المتشابهات من الآيات إلى المحكمات منها، ففي المتشابهات في الذات والصفات نرده إلى محكم قوله:"ليس كمثله شيء" [5] ، وفي المتشابهات في الأفعال نرده إلى محكم قوله:"قل فلله الحجة البالغة" [6]
وهكذا [7] .
(1) راجع البرهان: 1/ 112.
(2) الحديد: 4.
(3) طه: 39.
(4) راجع أمثلة أخرى في الإتقان: 2/ 6.
(5) الشورى: 11.
(6) الأنعام: 149.
(7) راجع البرهان: 2/ 71.