فهرس الكتاب

الصفحة 72 من 95

وقد ذكر الشيخ الزرقاني ثلاثة أنواع من المتشابهات، وأفاض في ذكر حِكَمِ كل منها:

نوع لا يستطيع البشر جميعًا أن يصلوا إليه، كالعلم بذات الله وحقائق صفاته، والعلم بالغيب عمومًا، ومن حكم هذا النوع رحمة الله بهذا الإنسان الضعيف الذي لا يطيق معرفة كل شيء، ولكن يكون ذلك اختبارًا وابتلاء للإنسان هل سيؤمن أم سيكفر، يصدق أم يكذب؟ ثم إقامة الدليل من هذا النوع على عجز الإنسان وجهالته مهما بلغ علمه وعظم استعداده، وإقامة شاهد على قدرة الله الخارقة، وأنه وحده هو الذي أحاط بكل شيء علمًا، وأن الخلق جميعًا لا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء.

ونوع يستطيع كل إنسان أن يعرفه عن طريق البحث والدراسة.

والنوع الثالث: هو ما يعلمه خواص العلماء دون عامتهم.

والحكمة من هذين النوعين - كما يقول الزرقاني - تحقيق إعجاز القرآن؛ لأن كل ما استتبع فيه شيئًا من الخفاء المؤدي إلى التشابه له مدخل عظيم في بلاغته وبلوغه الطرف الأعلى في البيان.

ومن الحكم: تيسير حفظ القرآن والمحافظة عليه؛ لأن كل ما احتواه من تلك الوجوه المستلزمة للخفاء دالٌّ على معانٍ كثيرة زائدة على ما يُستفاد من أصل الكلام، ولو عبر عن هذه المعاني الثانوية لتضاعف حجم القرآن بما يصعب معه حفظه والمحافظة عليه"قل لو كان البحر مدادًا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددًا" [1] .

ومنها: أن وجود المتشابهات يصعِّب الوصول إلى الحق مما يوجب مزيد الثواب.

ومنها: أن القرآن باشتماله على المحكم والمتشابه يستدعي تحصيل علوم كثيرة مما يعين على النظر والاستدلال، كما يفتح آفاقًا للعقل ويحرره من ربقة التقليد. [2]

وللشهيد المفسر موقفه الحاسم إزاء هذه القضية، والذي لا يقل حسمًا عن موقفه من:"وجدت أن احترام العقل البشرى ذاته هو الذي يُحتِّم علىَّ ألا أتجاوز به طاقته، وألا"

(1) الكهف: 109.

(2) مناهل العرفان: 2/ 282 ـ 285، وراجع البرهان: 2/ 75،76.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت