فهرس الكتاب
على الأقل تظهر بصورة أقل مما وجدت بها في المجتمع الذي أُبعِد عنه الإسلام.
فالإسلام ليس مسئولًا عن إيجاد حلول فقهية أو غيرها لمشكلات في مجتمع غير إسلامي سبّب وجودها أنه لم يعرف الإسلام، فلابد من قيام هذا المجتمع ثم نقدم حلولًا لأي مشكلة تظهر إن ظهرت،"أما قبل قيام هذا المجتمع فالعمل في حقل الفقه، والأحكام التنظيمية هو مجرد خداع للنفس باستنبات البذور في الهواء، ولن ينبت الفقه الإسلامي في الفراغ، كما أنه لن تنبت البذور في الهواء .... وصياغة أحكام الفقه لا تواجه هذه الجاهلية - إذن - بوسائل مكافئة. إنما الذي يواجهها دعوة إلى الدخول في الإسلام مرة أخرى ... وعندئذ فقط يجيء دور أحكام الفقه" [1] .
لقد كان أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وابن عمر وابن عباس، ومالك وأبو حنيفة وأحمد والشافعي، وأبو يوسف ومحمد، والقرافي والشاطبي، وابن تيمية وابن القيم وابن عبد السلام - يعيشون في مجتمع يحتكم إلى الإسلام، ويزاولون هم الإسلام في حياتهم الخاصة، ومن ثم كانوا مستوفين للشرطين الأساسيين لنشأة فقه إسلامي وتطوره، مع استيفائهم لشروط الاجتهاد.
أما اليوم فلابد أن نحسب حساب عوامل كثيرة، منها: بُعْد الواقع العملي والنفسي والشعوري والاعتقادي عن جو الإسلام والحياة الإسلامية، ولابد أن نحسب حساب الهزيمة الروحية والعقلية أمام الحضارة الغربية، وأولى هذه الهزائم أن نعتبر الواقع هو الأصل الذي ينبغي على الإسلام أن يسايره ويواكبه، ولا يكون الإسلام متبوعًا، إنما يكون تابعًا، ثم يستنكر استفتاء الإسلام في مشكلات لم يتسبب هو في وجودها؛ لأن ذلك لا يليق بجدية الإسلام، إنما هو استنبات للبذور في الهواء.
هذا هو المحور الذي يدور حوله رأى سيد قطب في الاجتهاد. والحق أن هذا الذي ذهب إليه الشهيد رأى خطير على المجتمع الإسلامي، ورِدَّة إلى الفقهاء الذين نادوا بإغلاق باب الاجتهاد - مع اختلاف يسير - ومن ثم يدمَّر المجتمع، ويزداد سوءًا على سوء.
إن مكمن الخطر في هذا الرأي هو اتهام الشهيد - رحمه الله - المجتمعَ الإسلامي بالجاهلية، وهذا هو السر الكامن وراء تشدده في رفض كل محاولة لعرض نظام الإسلام،
(1) الظلال: 4/ 2012، وراجع ما قبلها وما بعدها، وقد أورد هذا الرأي في كتابه:"معالم في الطريق"، ووسَّع عرضه في كتابه:"الإسلام ومشكلات الحضارة".