فهرس الكتاب

الصفحة 85 من 95

أثار الأستاذ سيد قطب هذا المصطلح في القضية السابقة - الاجتهاد - لكنه يحتاج إلى وقفة أخرى منفصلة عن الوقفة مع الاجتهاد.

ينبثق مصطلح الجاهلية عنده - كما قلنا - عن رفض المجتمع لحاكمية الله التي هي أخص خصائص الألوهية، وهذا ما يقوله دائمًا كلما تعرض لقضية الحكم أو قابله مصطلح"جاهلية".

يقول مثلًا:"والجاهلية ليست فترة تاريخية، إنما هي حالة توجد كلما وجدت مقوماتها في وضع أو نظام، وهي في صميمها: الرجوع بالحكم والتشريع إلى أهواء البشر لا إلى منهج الله، وشريعته للحياة، ويستوي أن تكون هذه الأهواء أهواء فرد، أو أهواء طبقة، أو أهواء أمة، أو أهواء جيل كامل في الناس .. فكلها .. ما دامت لا ترجع إلى شريعة الله ... أهواء ..." [1] .

ولعل هذا المصطلح بالذات - الحاكمية - من أكبر المصطلحات القطبية المودودية ـ خاصة في العصر الحديث ـ التي حُمِّلت أكثر مما ينبغي أن تتحمل سواء بالإفراط أو التفريط.

والحق أن هذا المصطلح ـ في أصله ـ لا يرجع إلى قطب أو المودودي، إنما يرجع إلى الأصوليين، ففي بداية أبواب علم الأصول تجد بابًا عن الحكم تحدثوا فيه عن: الحاكم، والمحكوم عليه، والمحكوم به .... الخ، فهو إذن مصطلح أصولي، وليس مودوديًّا أو قطبيًّا.

ولقد انقسم العلماء والمفكرون ـ كما هي عادتنا في قضايانا الفكرية ـ إزاء هذه القضية إلى فريقين: فريق حمَّل الشهيد مسئولية ظهور الفكر التكفيري، وجماعات التكفير التي أوقعت المجتمع الإسلامي في بلبلة واضطراب وفوضي: هذا يكفر ذاك، ومن لم يُكفر الكافر فقد كفر، ومن رمى أخاه بكلمة الكفر فقد باء بها أحدهما ـ كما جاء في الحديث ـ حتى صار موج التكفير هدارًا في المجتمع، ورجع كثير من الأفراد كفارًا يضرب بعضهم رقاب بعض.

بل إن هذا الفريق قرر أن الشهيد يُكفر المجتمع بما فيه من أفراد ونظم ما داموا بعيدين عن شريعة الله.

(1) الظلال: 2/ 899.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت