فهرس الكتاب
والفريق الآخر برَّأ الشهيد من كل شيء، ووضعوه في منزلة لا يليق لها معها الخطأ، وأنحى باللائمة على الذين فهموا هذا الفهم، وجعلوا أقوال الشهيد مُتَّكأ يتّكئون عليه في تهوُّرهم، واعوجاج فهمهم، ورميهم المجتمع بالكفر والفسوق والعصيان.
والموقف الصحيح دائمًا هو الموقف الوسط الذي لا يميل ذات اليمين وذات الشمال، فلا يتجنى على أحد، ولا يظلم أحدًا، إنما يتناول القضايا بهدوء وتُؤَدة، وينظر إلى الأمور بموضوعية وإنصاف.
ومن مقتضيات هذا الإنصاف هنا أنه كان ينبغي على الشهيد أن يوضح مراده بالتكفير والجاهلية: هل يقصد بالجاهلية جاهلية الأخلاق أم جاهلية المجتمع؟ وهل كان يقصد بالتكفير تكفير الأفراد والأشخاص، أم تكفير المجتمع ونظم الحكم؟ كما كان ينبغي عليه أن يبين درجات الكفر وأنواعه؛ حتى لا تختلط على الناس المفاهيم والمصطلحات.
وكان على الطرف الآخر ـ شباب التكفير المتهور ـ أن يفهم كلام الشهيد بإنصاف وموضوعية في إطار الظروف والملابسات، وفي ضوء الفترة الزمنية التي قيل فيها هذا الكلام.
وما دام هناك وجه حسن يُحمل عليه كلام الشهيد كان ينبغي الانصراف إليه، ولا نصير إلى ما رأيناه إلا إذا استحال من كل الوجوه حَمْلُ الكلام على وجه حسن.
ولكي نتبين هذا الأمر ينبغي الرجوع إلى مواضعه وحصرها في القرآن الكريم أولًا، ثم ننقل أراء الشهيد فيها، وأعتقد أنه لا أدل على تحديد مفهوم معين عند شخص معين من الرجوع والاحتكام إلى كلامه هو.
لقد ورد لفظ الجاهلية في القرآن الكريم أربع مرات [1] .
الأول: في سورة آل عمران. قال تعالى:"ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسًا يغشى طائفة منكم وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية يقولون هل لنا من الأمر من شيء قل"
إن الأمر كله لله" [2] ."
وقد نزلت هذه الآية في هزيمة أحد التي تحدثت عنها السورة باستفاضة وتفصيل.
وملخص ما قاله الشهيد: أن الله يصور مدى ضعف العقيدة، وتزعزع الإيمان في قلوب
(1) معجم ألفاظ القرآن الكريم: 1/ 252 - 253 مجمع اللغة العربية. ط ثانية 1409 هـ.
(2) آل عمران: 154.