فهرس الكتاب
هؤلاء، والذي نتج عنه من الحالة النفسية - عند الهزيمة - تنفيض أيديهم من كل شيء، وتبرئتهم أنفسَهم بحجج واهية"هل لنا من الأمر من شيء ..."، وتعدَّى ذلك إلى قلوبهم الضعيفة، ويقينهم الطائش، وسوء ظنهم بالله - تعالي -"يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية"... ويعلمهم الله - تعالي - ويوجههم إلى الوجهة الصحيحة"قل إن الأمر كله لله".
إذن الأمر أمر طبيعي فطرى حيث لم تستقر حقيقة الإيمان بمقتضياتها بعْدُ في قلوب هذه الفئة فلا غرو أن يكون فيها جاهلية [1] .
الثاني: في سورة المائدة يقول تعالى:"أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكمًا لقوم يوقنون" [2] .
وهى أكثر المواضع حِدّة في المواضع الأربعة حيث نرى لهجة الشهيد فيها عالية حادة صارمة لا مواربة فيها ولا التواء، فهو يرمى مَن لم يحكم بما أنزل الله بالكفر الصراح، ويضيف إليه الظلم والفسق:"والذي لا يبتغى حكم الله يبتغى حكم الجاهلية، والذي يرفض شريعة الله يقبل شريعة الجاهلية، ويعيش في الجاهلية" [3] .
ونحن مع الشهيد في هذه اللهجة؛ لأن أمر الحكم يحتاج صراحة وحزمًا ووضوحًا كصراحة الشهيد وحزمه ووضوحه؛ لأنها قضية مصيرية .... إنها الإيمان أو فلا إيمان.
لكن كان ينبغي أن يفصّل الشهيد ويبين ـ كما قلنا من قبل ـ أن هناك كفرًا دون كفر، وهناك كفرًا أكبر وكفرًا أصغر، والكفر الأكبر خمسة أنواع: كفر تكذيب، وكفر استكبار وإباء مع التصديق، وكفر إعراض، وكفر شك، وكفر نفاق، كما أن هناك أنواعًا للكفر الأصغر، وهكذا ...
وقد حقق العلامة المحقق ابن قيم الجوزية هذه المسألة، فأورد أقوالًا في تفسير الآية ـ آية المائدة ـ منها: أن ترك الحكم قد يكون جحدًا له، ومنها: أنه ترْك للحكم بجميع ما أنزل الله، ومنها: مخالفة النص تعمدًا من غير جهل ولا خطأ، ومنهم من تأول الآية
(1) الظلال: 1/ 495 - 497.
(2) آية: 50.
(3) الظلال 2/ 904.