فهرس الكتاب
حتى لا تقول العرب: إنهم دخلوها عليهم عنوة [1] .
هذه كل المواضع التي ورد فيها هذا اللفظ، وتلك هي آراء الشهيد فيها.
ولعله قد اتضح الآن تصوُّر الشهيد للجاهلية من خلال هذه المواضع.
فالموضع الأول: يعالج ضعف العقيدة، ولا يخلو ضعف العقيدة من أن يكون فيه جاهلية، وهو أمر بدهي.
والثاني: وهو أشدها: يكفِّر كل من لم يحكم بما أنزل الله، ويضيف إليه الفسق والظلم، وقد عقبنا عليه.
والثالث: وهو أمر أخلاقي، وتقرير للواقع بحق.
والرابع: توضيح للنعرة الجاهلية، والفطرة البشرية للكافرين بعيدًا عن المجتمع المسلم.
ومن الجدير بالذكر أن نقرر هنا ونوضح أن الشهيد لم يكن يقصد بالتكفير الأفراد أو الأشخاص، إنما يريد به نظم الحكم، وتشريعات المجتمع، ومصادر المعرفة والقيم في الدولة كما اتضح فيما نقلناه عنه من تعريف الجاهلية.
يقول في تفسير قوله تعالى:"ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنًا ...." [2] :"يأمر الله المسلمين إذا خرجوا غزاة، ألا يبدءوا بقتال أحد أو قتله حتى يتبينوا، وأن يكتفوا بظاهر الإسلام في كلمة اللسان إذ لا دليل هنا يناقض كلمة اللسان" [3] .
وعندما تحدث عن الذين آمنوا ولم يهاجروا وموقف المجتمع المسلم منهم قال:"فهؤلاء الأفراد ليسوا أعضاء في المجتمع المسلم، ومن ثَمَّ لا تكون بينهم وبينه ولاية، ولكن هناك رابطة العقيدة" [4] .
والذي يبدو - كما يقول الأستاذ سالم البهنساوي [5] - أن الشهيد يطلق كلمة المجتمع
ويعني بها نظام الحكم، فجاهلية المجتمع عنده هي جاهلية نظام الحكم في مناهجه وتشريعاته وقيمه العلمانية، فمصطلح"المجتمع"تغير مدلوله في عصرنا حيث أضحى
(1) الظلال: 6/ 3329.
(2) النساء: 94.
(3) الظلال: 2/ 737.
(4) الظلال: 3/ 1559.
(5) شبهات حول الفكر الإسلامي المعاصر: 318، دار الوفاء، طبعة أولى، 1409 هـ.، ومن المراجع الهامة في ذلك: قضية الحكم وتكفير المسلم للأستاذ البهنساوي. وقد نقل فيه كلامًا هامًّا عن الأستاذ محمد قطب ـ أخي الشهيد ـ مؤداه أن الشهيد كان يقصد بالتكفير والتجهيل المجتمع والنظم لا الأشخاص والأفراد. فلْيُراجع.