ولا من إجماع ولا من قول صاحب ولا من قياس ولا من رأي سديد، لأن بعض الآية والآية قرآن بلا شك، ولا فرق بين أن يباح له آية أو أن يباح له أخرى، أو بين أن يمنع من آية أو يمنع من أخرى، وأهل هذه الأقوال يشنعون مخالفة الصاحب الذي لا يعرف له مخالف، وهم قد خالفوا ههنا عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وسلمان الفارسي، ولا يعرف لهم مخالف من الصحابة. رضي الله عنهم وأيضا فإن من الآيات ما هو كلمة واحدة مثل {والضحى} (1) و {مدهامتان} (2) و {والعصر} (3) و {والفجر} (4) ومنها كلمات كثيرة كآية الدين، فإذ لا شك في هذا. فإن في إباحتهم له قراءة آية الدين والتي بعدها أو آية الكرسي أو بعضها ولا يتمها، ومنعهم إياه من قراءة {والفجر وليال عشر والشفع والوتر} (5) أو منعهم له من إتمام (مدهامتان) لعجبا. وكذلك تفريقهم بين الحائض والجنب بأن أمد الحائض يطول، فهو محال، لأنه إن كانت قراءتها للقرآن حراما فلا يبيحه لها طول أمدها، وإن كان ذلك لها حلالا فلا معنى للاحتجاج بطول أمدها. حدثنا محمد بن سعيد بن نبات ثنا عبد الله
(1) - سورة الضحى آية: 1.
(2) - سورة الرحمن آية: 64.
(3) - سورة العصر آية: 1.
(4) - سورة الفجر آية: 1.
(5) - سورة الفجر آية: 1 - 3.
بن نصر عن قاسم بن أصبغ عن محمد بن وضاح عن موسى بن معاوية ثنا ابن وهب عن يونس بن يزيد عن ربيعة قال: لا بأس أن يقرأ الجنب القرآن وبه إلى موسى بن معاوية ثنا يوسف بن خالد السمتي ثنا إدريس عن حماد قال سألت سعيد بن المسيب عن الجنب هل يقرأ القرآن فقال: وكيف لا يقرؤه وهو في جوفه وبه إلى يوسف السمتي عن نصر الباهلي.
قال: كان ابن عباس يقرأ البقرة وهو جنب. أخبرني محمد بن سعيد بن نبات ثنا أحمد بن عون الله ثنا قاسم بن أصبغ ثنا محمد بن عبد السلام الخشني ثنا محمد بن بشار ثنا غندر ثنا شعبة عن حماد بن أبي سليمان قال: سألت سعيد بن جبير عن الجنب يقرأ فلم ير به بأسا وقال: أليس في جوفه القرآن وهو قول داود وجميع أصحابنا.
وأما سجود القرآن فإنه ليس صلاة أصلا، لما حدثناه عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن معاوية ثنا أحمد بن شعيب ثنا محمد بن بشار ثنا عبد الرحمن بن مهدي ومحمد بن جعفر قالا ثنا شعبة عن يعلى بن عطاء أنه سمع عليا الأزدي - وهو علي بن عبد الله البارقي ثقة - أنه سمع ابن عمر يقول عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:"صلاة الليل والنهار مثنى مثنى" (1) وقد صح عنه عليه السلام أنه قال"الوتر ركعة من آخر الليل" (2) فصح أن ما لم يكن ركعة تامة أو ركعتين فصاعدا فليس صلاة.
(1) - النسائي: قيام الليل وتطوع النهار (1666) ، أبو داود: الصلاة (1295) ، ابن ماجه: إقامة الصلاة والسنة فيها (1322) ، أحمد (2/ 51) ، الدارمي: الصلاة (1458) .
(2) - مسلم: صلاة المسافرين وقصرها (752) ، النسائي: قيام الليل وتطوع النهار (1689،1690،1691) ، أبو داود: الصلاة (1421) ، أحمد (2/ 43) .
والسجود في قراءة القرآن ليس ركعة ولا ركعتين فليس صلاة، وإذ ليس هو صلاة فهو جائز بلا وضوء، وللجنب وللحائض وإلى غير القبلة كسائر الذكر ولا فرق، إذ لا يلزم الوضوء إلا للصلاة فقط، إذ لم يأت بإيجابه لغير الصلاة قرآن ولا سنة ولا إجماع ولا قياس. فإن قيل: إن السجود من الصلاة، وبعض الصلاة صلاة. قلنا وبالله تعالى التوفيق: هذا باطل؛ لأنه لا يكون بعض الصلاة صلاة إلا إذا تمت كما أمر بها المصلي، ولو أن امرأ كبر وركع ثم قطع عمدا لما قال أحد من أهل الإسلام إنه صلى شيئا، بل يقولون كلهم إنه لم يصل، فلو أتمها ركعة في الوتر أو ركعتين في الجمعة والصبح والسفر والتطوع لكان قد صلى بلا خلاف. ثم نقول لهم: إن القيام بعض الصلاة والتكبير بعض الصلاة وقراءة أم القرآن بعض الصلاة والجلوس بعض الصلاة، والسلام بعض الصلاة، فيلزمكم على هذا أن لا تجيزوا لأحد أن يقول ولا أن يكبر ولا أن يقرأ أم القرآن ولا يجلس ولا يسلم إلا على
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)