فهرس الكتاب
فكان مالك-رحمه الله- في زمانه عالم المدينة المُبَرَّز الذي ارتحل إليه العلماء والأجلاء لأخذ حديث رسول الله -- صلى الله عليه وسلم -- ومع هذا كله فقد كان شديد الخوف من الله كثير البكاء من خشية الله ، وأُثر عنه أنّه كان يفتح المصحف فيقرأ فيعظم عليه البكاء ويغلبه ، حتى لا يستطيع أن يتم قراءته -عليه رحمة الله-.
وكان كثير العبادة والتهجد حتى كان سمته سمت الصالحين القائمين ، وكان إذا رئي تهلهل وجهه من نور العبادة -عليه رحمة الله ورضوانه-.
ومع هذا كله فكان محبًا لسنة رسول الله -- صلى الله عليه وسلم -- مجلًا لها، يعلوه الوقار و السكينة ، ما أثر عنه أنه كان يجالس السفهاء ، ولذلك ذُكر عنه أنه ما كشف رأسه يومًا قط بين الناس ، وهذا يدل على كمال حشمته-رحمة الله عليه-.
وكان-رحمه الله- إذا سئل عن الفتيا تغيّر وجهه واصفر لونه -رحمه الله- وربما امتنع من شدّة الخشية -رحمة الله عليه-.
وكان كثيرًا ما يقول للسائل: لا أدري ، ولذلك أثر عنه أنه ارتحل إليه رجل بالمسائل من اليمن وكانت ثمانية وأربعين مسألة ثم سأله -رحمه الله- فأجاب عن مسألتين ، وقال في باقيها: الله أعلم. أو: لا أدري .
فقال له:أرتحل إليك من اليمن وتقول: لا أدري...؟ من الذي يجيب إذا لم تجبني .. فقال-رحمه الله-: لا عليك . ارجع إليهم فقل: سألت مالكًا فقال: لا أدري .
وهذا من كمال خوفه من الله حيث لم يستحيي من الناس ؛ وإنما استحيا من الله ويسأله السائل في المسألة العظيمة فيتردد ويقول: ارجع إلىَّ بعد يوم أو أرجع إليَّ بعد أيام فيقول له السائل وكيف ذاك..؟
فيقول له: يا هذا قد رضيت بي حجة بينك وبين الله إني أريدُ خلاص نفسي ثم أخلِّصك بعدُ .
أي أبحث و أنظر في المسائل حتى أعرف الحقَّ الذي أتخلص به من بين يدي الله ، وكان-رحمه الله-شديدًا على أهل البدع و الأهواء لا تأخذه في الحقِّ لومةُ لائم -عليه رحمة الله- .