فهرس الكتاب
أي أن الله يجعل الوضوء سببًا في خروج الخطايا إذا كانت من الصغائر ، وأمّا إذا كانت من الكبائر فإنها لا تكفر إلا بالتوبة النصوح ، والندم عليها ، وعدم الرجوع إليها فإذا فعل المكلّف ذلك تاب الله-- عز وجل -- عليه وظاهر النص هنا الإطلاق حيث لم يفصّل النبي-- صلى الله عليه وسلم -- هل الخطايا هنا من صغائر الذنوب أو من كبائرها ولا شكّ أن الفم فيه كبائر للذنوب كالغيبة والنميمة والبهت وقول الزور وشهادة الزور وغير ذلك من الكبائر المعروفة في اللسان وكونه -عليه الصلاة والسلام- يقول: (( خرجت الخطايا من فمه ) )فيه إطلاق لا يخفى ، ولذلك اعتبر بعض أهل العلم -رحمة الله عليهم - هذه التقييد بالصغائر محل نظر .
أما على القول بأن هذا التكفير يكون للصغائر فاستحب بعض العلماء لمن أراد أن يتوضّأ للصلاة أن يستحضر في قلبه التوبة من كبائر الذنوب حتى يخرج من ذنوبه نقيًا كيوم ولدته أمه .
وقوله-عليه الصلاة السلام-: (( خرجت من وجهه كل خطيئة نظرت إليها عينيه مع الماء ، أو مع آخر قطر الماء ) ): فيه دليل على أن أعظم الجوارح في الوجه جارحة النظر ، ولذلك قال العلماء - رحمهم الله-: إن جارحة النظر تفتن بها القلوب ولذلك الفتنة فيها أشد من غيرها ، ولذلك خصّ النبي-- صلى الله عليه وسلم -- البصر حتى قال بعض العلماء في قوله- - سبحانه وتعالى --: {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولا} (1) قال: إن الله ذكر البصر وخصّه من أعضاء الوجه فدل على عظيم ما يأتي من الذنوب وذلك أن الإنسان إذا أطلق لعينيه العنان ، وأخذ يتلفت هنا وهناك لا يبالي بما يرى من حدود الله ومحارم الله أصابته الفتنة في قلبه ، لأن النظر سهم من سهام الشيطان ، يتوصل به إلى إغواء الجَنان ولذلك قال القائل:
كل الحوادث مبدأها من النظر… ومعظم النار من مستحقر الشررِ
كم نظرة فتكت في قلب صاحبها… فتك السهام بلا قوس ولا وترِ