فهرس الكتاب
فيها سيئة وفيها خطيئة إلا رأى سوءها في الدنيا قبل الآخرة إن لم يتداركه الله برحمته فيتوب منها فنحن نتكلم على من استمر على المعصية فأيّ كلمة يقولها من سخط الله أو غضب الله - عز وجل - فهي سيئة قالوا ما سميت السيئة سيئة إلا أنها تسئ إلى صاحبها في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما معًا فمن الناس من يعجل الله له عقوبة السيئة في الدنيا، ومنهم من يؤخر له العقوبة في الآخرة فتجده يطغى ويبغى فيستدرجه الله-جل وعلا-؛ لأن عقوبة الآخرة أشد كما قال-تعالى-: {وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُون} حتى إنه يكون استدراجًا للعبد فإذا أساء أساء إلى نفسه فتؤخر له العقوبة في الآخرة، ومن هنا قالوا: إذا وجدت العبد تنزل عليه النعم وهو مسترسل في معصية الله ومستخف بالله لا يبالي بحدود الله يسب الدين يستهزأ بالصالحين يتهكّم ويفعل ما شاء ويقترف ما شاء والنعم تغدق عليه فاعلم أنه مستدرج وستأتيه يومًا من الأيام نقمة الله - عز وجل - فإذا أخذ ربك فإن أخذه وبيل ووخيم ... -والعياذ بالله-، {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} فأخذ الله - عز وجل - قال: {إِذَا أَخَذَ الْقُرَى} ما قال إذا أخذ الشخص ولاّ أخذ الفرد {أَخَذَ الْقُرَى} الله - عز وجل - يأخذ الأمم ويهلك الأمم فضلًا عن الأفراد فالسيّئة تسيء إلى صاحبها في الدنيا والآخرة فقال-تعالى-: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ} فإذا فعل السيئة وظلم نفسه وآذى نفسه وأضر بنفسه وجنى على نفسه كما قال-تعالى-: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} وقال-تعالى-: {وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا} أي على نفسه أساء فقوله-تعالى-: {أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ} ذكر الله يكون بالجنان ويكون باللسان ويكون بالجوارح والأركان فمن فعل الفاحشة فذكر الله بجنانه فهذه أول بارقة رحمة وبارقة أمل في الخير له عند الله - جل جلاله - إذا فعل المعصية أو وقع في الذنب يأتي ويجلس في المجلس فيخطئ على أخيه مجرد أن يخطئ يجد في قلبه الندم والألم فهذه من عاجل رحمة الله بالعبد ولا يعطاها إلا السعداء وهم الذين أثنى الله عليهم في كتابه {إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ} فإذًا أول ما يكون الذكر لله بالقلب فإذا وقع الذكر في القلب ظهرت الآثار على الجوارح فمن الناس من يندم ولا يتكلم، ومنهم من يندم ولا يفعل فالذي يندم صادق الندم يعطى الثلاث المراتب ندم الجنان وسداد اللسان وصلاح الجوارح والأركان فيندم لجنانه ويستغفر بلسانه ويُصلح في جوارحه وأركانه كما قال-تعالى-: {فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} قالوا كان يسب الناس فيصبح لا يسب أحدًا حتى إنه إذا أساء إليه أحد قال هداك الله أصلحك الله فإذا به يبدل الله سيئاته حسنات ويرزق القول السديد الذي هو طريق للسعادة والفوز {اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا - يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} .