فهرس الكتاب

الصفحة 2071 من 2088

الأمر الثاني: يقول الله - عز وجل: {ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا} فجعل بعد ذكر الله الاستغفار والفاء تفيد في لغة العرب وقوع الشيء بعد الشيء وعقيب الشيء مباشرة تقول جاء محمد فخالد أي كأن محمدًا وخالدًا ليس بينهما فاصل هذا لا يمكن أن يقال إلا في العطف الذي يقتضي الولاء والمباشرة حتى كأنه لا فاصل بينهما فإذا أرادت العرب تفصل قالت: جاء محمد ثم خالد، فدلت على وجود الفاصل بينهما، ومن هنا قال-تعالى-: {ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ} فجعل الاستغفار باللسان عقيب الذكر بالجنان، ومن هنا من الناس من يخطئ ويندم في قرارة قلبه ولكن يتأخر استغفاره والله لما أثنى على هؤلاء أثنى عليهم في أعلى المقامات وأفضلها وأجملها وأكملها وهو أنهم بادروا مباشرة بالتوبة وهذا لا يكون ولن يكون إلا بكمال التوحيد؛ لأن العبد إذا كمل توحيده كملت معرفته بالله - جل جلاله - الذي لاتضره معصية العاصين ولا تنفعه طاعة المطيعين وتذكر أن الله يقول في الحديث الصحيح: (( يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئًا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى رجل واحد منكم ما زاد ذلك من ملكي شيئًا، يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرًا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه ) )فهو لا يبادر بالتوبة مباشرة إلا من كمال التوحيد {ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ} {وَمَنْ} أي: ولا يغفر الذنوب إلا الله، الله أكبر يقول: {فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ} وهل هناك أحد يغفر الذنوب غيري - سبحانه وتعالى - أي حُق لهم أن يستغفروني وحق لهم أن يتوبوا إلي فأنا الرحيم وأنا الحليم وأنا الستير وأنا الذي أريد بعبادي خيرًا فلا يريد - عز وجل - لعباده إلا خيرًا، فالعبد يحرص على هذه المعاني فإذا استشعرها تاب إلى الله توبة صادقة قال-تعالى-: {فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ} ثم قال بعدها: {وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ} فنفى عنهم الإصرار على الذنب والإصرار على الذنب أنه يذنب الذنب ثم يذنب بعده مرة ثانية دون أن يستغفر من الذنب الأول أما لو استغفر من الذنب الأول وتاب توبة نصوحًا شخص مثلًا وقع في ذنب من الذنوب كشرب الخمر-والعياذ بالله- ثم تاب توبةً نصوحًا واستغفر ربه على أنه لا يعود إليه ثم أغواه الشيطان فإن الله يتوب عليه، ثم إذا أغواه الشيطان مرة ثانية فوقع فيه فتاب من قرارة قلبه وأناب وعقد العزم على أن لا يرجع إليه غفر الله له ذنبه ولو تكرر ذلك آلاف المرات، العبرة أن يكون هناك ندم صادق بعد التوبة. توبة مصاحبة للتوبة، وعزم على عدم الرجوع وهذا هو الذي تدل عليه الأدلة في كتاب الله وسنة النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومع هذا كله ينبغي للمسلم دائمًا أن يستشعر عظمة الله - سبحانه وتعالى - والهيبة من الله - سبحانه وتعالى - فقوله-تعالى-

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت