فهرس الكتاب

الصفحة 2072 من 2088

: {وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ} ، ذكر الإمام ابن القيم-رحمه الله- عن أحد الصالحين أنه رأى امرأة طردت ولدها وصغيرها فلما خرج من البيت تلفّت يمينًا وشمالًا فجلس كالحيران ونظر فلم يجد له معاذًا وملاذًا فرجع إلى باب بيت أمه وجلس يبكي ثم فتحت أمه الباب فوجدت عليه فأخذته وضمته إلى صدرها وقالت: أي بني من لك غيري! أي بني من لك غيري! أي بني من لك غيري! قال الصالح فتذكرت عظمة الله - سبحانه وتعالى - وعفوه ومغفرته!! الله - عز وجل - على لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم - ضرب لنا الأمثال التي يتعلم بها المسلم ويعقل بها عن الله - سبحانه وتعالى -، ومن هنا ضرب الرحمة رحمة الله بعباده بالأم التي وجدت صبيها وصغيرها حينما شكت في قتله في المعركة فلما جاءها أخذته فضمته فشمته فقال-عليه الصلاة والسلام-: (( أترون هذه طارحة ولدها في النار؟ ) )قالوا: لا. قال: (( للهُ أرحم بعباده من هذه بولدها ) )فالعبد يتأمل هذه المواقف ويحس أن الله أرحم وأكرم وأحلم - جل جلاله -؛ ولكن مع ذلك عليه أن يقرن هذا كله بغضب الله ونقمته وشديد عذابه وأليم عقابه وأخذه - سبحانه وتعالى -، فمن جمع بين الخوف والرجاء طار بجناحي السلامة اللذين لابد للمسلم أن يجمع بينهما في الدنيا حتى يلقى الله - عز وجل - على إيمان واستقامة وصلاح-نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجعلنا ذلك الرجل -.

في هذا الحديث منهج نبوي لمن يخاطب الناس ولمن يعلم الناس أن يذكرهم بسعة رحمة الله - سبحانه وتعالى -، وألا يُقَنّط الناس من رحمة الله - جل جلاله - وأن يفتح لهم أبواب الأمل في رحمة الله التي وسعت كل شيء.

في هذا الحديث منهج نبوي من رسول الأمة ومعلم الأمة-بأبي وأمي صلوات الله وسلامه عليه- تعليمًا وإرشادًا بذكر الحجج والأدلة من كتاب الله والاعتناء بالآيات أثناء الوعظ وأثناء التذكير، وقد كان بالإمكان أن يقتصر-عليه الصلاة والسلام- على سنته الصحيحة فيما أوحى الله إليه فيبين أن الله يغفر الذنب ولكنه استشهد بالقرآن واستدل بالقرآن وما أطيب وأكمل أن يكون كلام المتكلم بكلام الله وأن تكون حجته قال الله فتلك الحجة البالغة والكلمة الصادقة التي تمت وكملت {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} ، فَعَلَّم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المعلمين والموجهين والمربين أن يستدلوا بكتاب الله المبين وبكلامه - سبحانه وتعالى - المحكم المتين وهو أفضل الكلام وأحبه قال - صلى الله عليه وسلم: (( إن فضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه ) )فكل من وعظ أو ذكر مسألة أو جزئية ولها دليل من كتاب الله وسنة النبي - صلى الله عليه وسلم - فليذكر هذا الدليل وليبين دلالة هذا الدليل على مقصوده ومراده تأسيًا برسول الأمة - صلى الله عليه وسلم -.

وفي هذا دليل على عظمة القرآن وأنه أساس الحجة وأنه السبيل والمحجة حتى قال بعض العلماء في تفسير قوله-تعالى-: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوه} قالوا: هو القرآن صراط الله المستقيم الذي لا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت