الصفحة 145 من 604

تمهيد:

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين وبعد:

فإن الإسلام يتميز برعايته للفرد والمجتمع، وتحقيق التوازن في المصالح والعلاقات، بما يؤدي إلى إيجاد المجتمع الفاعل، المتماسك، المتكافل، وإقامة ذلك على تصور محكم، وشامل للإنسان، والكون، والحياة، ذلك التصور الذي أبان عن تكريم الله - عز وجل - للإنسان: {* وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرُ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (70) } [الإسراء:70] ، وإيجاده في أحسن تقويم: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4) } [التين: 4] ، {وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ} [غافر: 64] و [التغابن: 3] ، ومنحه القدرة على التعارف، التكامل، والتعاون: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا (( (( (( (( (( (( لِتَعَارَفُوا} [الحجرات: 13] ، {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ شَهْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ(32) } [الزخرف: 32] ، واستخلافه {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة: 30] ، {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ} [الأنعام: 165] ، وتسخير الخلائق له {وَسَاءَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ} [الجاثية: 13] ، لذا فقد جاء نظام الإسلام محققًا للسعادة، بما تضمنه من توجيه للإنسان نحو الخير، والصلاح، والنماء والانتفاع بما سخر له، انتفاعًا ينحى نحو السعادة الدنيوية، والأخروية، ويشبع تطلعات الإنسانية السامية مع حسم الشر، ودفع الضرر، والفساد في الأرض.

ومن ذلك توجيه الإنسان إلى التصرف الرشيد بما استخلفه الله - عز وجل - فيه، وحثه على بذله في وجوه الخير، الجالبة للسعادة في الدارين، بما يبقى له من أجرها، ويعود عليه ومجتمعه من نفعها، بما فتح أمامه من أبواب الصدقات، والتي منها الوقف بنمطه المميز، الذي يتيح الإفادة من المنفعة، مع بقاء الأصل المؤدي لاستمرار العطاء، وتواصل البذل، والمعروف، وهو وإن عرف قبل الإسلام، إلا أنه اقتصر آنذاك على دور العبادة وما يتعلق بها [1] ، أما في الإسلام فقد جاء شاملًا لكل عمل خير وبر، فتنوعت الأوقاف، بحسب الحوائج الناشئة في المجتمع [2] ، وأدي دورًا رئيسًا في نشر

(1) انظر محمد أبو زهرة، محاضرات في الوقف ص 7.

(2) انظر المرجع السابق ص 7، 8، ود. حسن عبد الله الأمين، الوقف في الفقه الإسلامي ص 97 ضمن أبحاث ندوة إدارة وتثمير ممتلكات الوقف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت