فهرس الكتاب
المطلب الثاني: نشأته [1]
تميَّزت نشأَة الإمام السُّبكيّ ~ بانكبابه على العلم والتعلّم؛ إذ نشأ في محضنٍ علميٍّ حافل؛ فهو من بيت علمٍ وفقهٍ وقضاءٍ؛ فقد ترعرع في كنف أبيه، وتفقه في صغره عليه، وكان من الاشتغال على جانب عظيم، بحيث يستغرق جزءًا من ليله وغالب نهاره؛ فكان يخرج من البيت صلاة الصبح، فيشتغل على المشايخ إلى أن يعود قريب الظهر، ثم يعود إلى الاشتغال إلى المغرب، ثم يشتغل بالليل، وهكذا لا يعرف غير ذلك [2] .
فنشأ في الرِّيف المصريِّ بسُبْك العبيد قريبًا من عشرين سنة، غير مكلف بشئٍ من جهة والده [3] ، حتَّى إن والده كفل له العيش الهانئ؛ وفرغه للعلم لئلا يشتغل بشيءٍ عنه، حدَّث بذلك عنه ابنه التَّاج إذ يقول: (وكان الله تعالى قد أقام والده ووالدته للقيام بأمره؛ فلا يدري شيئًا من حال نفسه) [4] .
بل إنه زوجه والده بابنة عمه، وعمره خمس عشرة سنة، وألزمها أن لا تحدثه في شيءٍ من أمر نفسها، وكذلك ألزمها والدها، فكان والده ووالدها يقومان بأمرهما، قال ابنه التَّاج معلِّقًا على هذا الحرص من أبيه وعمِّه: (فانظر إلى اعتناء والده وعمه بأمره، وكان ذلك خوفًا منهما أن يشتغل باله بشيءٍ غير
(1) طبقات الشافعية الكبرى (10/ 144 - 170) .
(2) يُنظر: طبقات الشافعية الكبرى (10/ 144) .
(3) الدرر الكامنة (4/ 78) .
(4) طبقات الشافعية الكبرى (10/ 145) .