فهرس الكتاب

الصفحة 2 من 31

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، وأشرف الخلق أجمعين محمد بن عبد الله الهادى الأمين، الذى أرسله الله رحمة للعالمين، وعلى آله الطيبين الطاهرين وأصحابه جميعًا، ومن اقتدى بهديه واتبع سنته وشريعته إلى يوم الدين .. وبعد:

تمهيد:

الفقهاء القدامى ونقل الأعضاء

نحب في بداية الكلام في هذا الموضوع أن نبين أن فقهاءنا القدامى بحثوا مسألة معالجة شخص عن طريق قطع جزء من جسم شخص آخر يستفيد به المريض، وصرح بعضهم بحرمة ذلك، فمثلًا: نجد في كتاب"مغنى المحتاج"، وهو من كتب فقهاء الشافعية الذى ألفه مؤلفه محمد الشربينى الخطيب، من علماء الشافعية في القرن العاشر الهجرى، نجد المؤلف يقول- وهو يشرح كلام النووى في هذا المجال في كتابه منهاج الطالبين-:"ويحرم جزمًا على شخص قطعه أى بعض نفسه لغيره من المضطرين؛ لأن قطعه لغيره ليس فيه قطع البعض لاستبقاء الكل" [1] ، ومعنى العبارة التى علل بها الفقيه الشافعى هذا الحكم الذى بيَّنه أن قطع هذا الجزء منه ليس لاستبقاء كل جسمه لكى يكون مباحًا من باب القاعدة التى يقول:"يتحمل الضرر الأخف لدفع الضرر الأعظم"، وليس الحال هناك كذلك.

وتبين كتابات الفقهاء القدامى أن الكرامة الإنسانية يجب الحفاظ عليها سواء كان الإنسان حيًّا أم ميتًا، وسواء كان الشخص مسلمًا أو غير مسلم، فبينوا أن حرمة الميت أمر يجب احترامه جدًّا، ولا يجوز أن تنتهك حرمة الميت إلا لأمر خطير، وبلغ التشدد في هذه الناحية أننا وجدنا أحد فقهاء الحنابلة، وهو الشيخ البهوتى يقول في كتابه"كشاف القناع":"وإن ماتت حامل بمن يرجى حياته حرم شق بطنها من أجل الحمل، مسلمة كانت أم ذمية"أى مواطنة غير مسلمة كالمسيحية أو اليهودية"لما فيه من هتك حرمة متيقنة لإبقاء حياة موهومة" [2] .

ويفهم من هذا التعليل الذى ذكره الفقيه للحكم الذى أبداه أنه لو تيقنا حياة الجنين كان ذلك جائزًا؛ لأنه يرى أن حياة الحمل موهومة، وهذا ما يتفق ومعارف عصره، لكن الحال الآن غير حال العصر الذى كان يعيش فيه البهوتى، وأصبح الآن من الأمور المتيسرة التيقن من حياة الجنين ورؤيته وهو يتحرك في رحم أمه؛ بل التأكد من حياته قبل أن تبدأ مرحلة تحركه في رحم أمه، ومن البداية الأولى عند تخصيب البييضة بالحيوان المنوى، وهى المرحلة التى يسميها العلماء مرحلة"الزيجوت"، وهو ما يعطى مبررًا شرعيًا وعقليًا وطبيًّا للقول بإباحة إخراج الحمل إذا كان من الممكن المحافظة عليه خارج الرحم، وإذا كان فقهاؤنا القدامى- غير من يقول برأى البهوتى- يقولون إن ذلك بعد ستة أشهر، وهى أقل مدة الحمل، فإننا نقول: لو لم يبلغ ستة أشهر، وإذا تمكن العلم من أن يهيئ السبيل لبقاء الجنين الذى أخرج حيًّا وهو

(1) ) مغنى المحتاج لمحمد الشربينى الخطيب جـ 4 صـ 310.

(2) ) كشاف القناع لمنصور بن يونس البهوتى جـ 2 صـ 146.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت