فهرس الكتاب

الصفحة 3 من 31

لازال في مراحل تكونيه الأولى أن يستمر بقاؤه حيًّا في حضَّانة خارج رحم أمه، وتغذيته بما يتناسب ومرحلة نموه حتى يكتمل فإن إجراء عملية جراحية لأمه المتوفاة لإخراجه لا نقول إنه مباح فحسب حينئذ بل هو داخل في الواجبات الشرعية التى تقول إن إنقاذ حياة الإنسان واجب، وسيحدث هذا دون إضرار بالمرأة التى أخرج منها، إلا الضرر الأدبى، وهو انتهاك حرمتها حال الوفاة، وإذا وازنا بين الضررين: ضرر انتهاك حرمة المتوفاة وضرر موت الحمل، فإن القاعدة الشرعية تقول:"إن الضرر الأخف يتحمل لدفع الضرر الأعظم".

وما يسمى بالعمليات القيصرية الآن التى تجرى لإنزال المولود عند تعسر الأم في الولادة، فإن الأطباء لا يجرونها إلا بناء على تأكد الطبيب أو الطبيبة من حياة الجنين قبل إجراء هذه العملية الجراحية، فأصبح القول بأن حياة الحمل موهومة لا اعتبار به في ظل المعرفة العلمية التى نعيش فيها الآن، والفقيه له عذره في إبداء الرأى الذى نقلناه عنه فلم تكن معارف عصره تؤكد حياة الجنين؛ وأما الآن فالله- عز وجل- بيَّن لنا- بالعلم الذى منحنا إياه- أن حياة الجنين أمر يتأكد منه بسهولة، وقضية عدم جواز انتهاك حرمة الموتى قد يلجأ إليها البعض من الفقهاء المحدثين في القول بمنع التبرع بالأعضاء بعد الوفاة مع أننا وجدنا الفقهاء القدامى يقولون بإباحة شق بطن الميت من أجل إخراج شئ بلعه له قيمة مالية معتبرة، ومثلوا لهذا بما لو بلع جوهرة أو مالًا لغيره.

كما أباحوا إجراء عملية شق بطن امرأة ماتت وهى حامل في جنين تجاوز ستة أشهر بيقين، وغلب على الظن أن الطفل المولود سيعيش بعد هذه العملية، قال الشيخ: محمد الشربينى الخطيب في كتابه مغنى المحتاج [1] :"ولو دفنت امرأة في بطنها جنين ترجى حياته بأن يكون له ستة أشهر فأكثر نبشت وشق جوفها وأخرج تداركًا للواجب؛ لأنه يجب شق جوفها قبل الدفن، وإن لم ترج حياته لم تنبش، فإن لم تكن دفنت- يعنى في حال الجنين الذى لم ترج حياته- تركت حتى يموت، ثم تدفن".

هذا كلام الشربينى الخطيب، وإن كنا نختلف مع الشيخ في رأيه أنه لو لم ترج حياة الجنين يترك حتى يموت ثم تدفن أمه، فنقول يجب اتخاذ كل وسيلة طبية لإنقاذ الجنين ولو لم يرج حياته، فقد يكتب له الحياة مع ظاهر أو ظواهر لا تعطى الأمل في حياته.

ويقول النووى في المجموع- وهو أحد كبار فقهاء الشافعية المرموقين-:"وإذا ماتت امرأة وفى جوفها جنين حى يشق جوفها؛ لأن استبقاءه بإتلاف جزء من الميت فأشبه إذا ما اضطر إلى أكل جزء من الميت."

ويقول ابن عابدين- وهو أحد كبار فقهاء الحنفية المشتهرين-:"حامل ماتت وولدها حى يضطرب، يشق بطنها من الأيسر ويخرج ولدها".

وقول ابن قدامة- وهو أيضًا من مشاهير كبار فقهاء الحنابلة-:"يحتمل أن يشق بطن الأم إن غلب على الظن أن الجنين يحيا."

(1) جـ 1 صـ 367.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت