وقال ابن حزم- عالم فقه الظاهر-:"ولو ماتت امرأة حامل والولد حى يتحرك قد تجاوز ستة أشهر فإنه يشق بطنها طولًا ويُخرج الولد لقول الله- تعالى-: {وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} [1] ، ومن تركه عمدًا حتى يموت فهو قاتل نفس [2] ."
ومن القواعد الشرعية أيضًا التى راعاها العلماء وساروا عليها في فتاواهم أنه إذا اجتمعت المصلحة والمفسدة وكانت المصلحة أعظم قدم جانب المصلحة يقول العز بن عبد السلام [3] :"إذا اجتمعت مصالح ومفاسد فإن أمكن تحصيل المصالح ودرء المفاسد فعلينا ذلك امتثالًا لأمر الله- تعالى- فيهما لقوله- سبحانه وتعالى-: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [4] ."
وإن تعذر الدرء والتحصيل فإن كانت المفسدة أعظم من المصلحة درأنا المفسدة ولا نبالى بفوات المصلحة، قال الله- تعالى-: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا} [5] .. حرمهما الله لأن مفسدتهما أكبر من منفعتهما.
"أما منفعة الخمر فبالتجارة ونحوها؛ وأما منفعة الميسر فبما يأخذه القامر من المقمور؛ وأما مفسدة الخمر فبإزالتها العقول، وما تحدثه من العداوة والبغضاء والصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وهذه مفاسد عظيمة لا نسبة إلى المنافع المذكورة إليها، وإن كانت المصلحة أعظم من المفسدة حصلنا المصلحة مع التزام المفسدة، وإن استوت المصالح والمفاسد فقد يتخير بينهما وقد يتوقف فيهما، وقد يقع الاختلاف في تفاوت المفاسد".
ثم بدأ العز بن عبد السلام يذكر أمثلة للأفعال المشتملة على المصالح والمفاسد من رجحان مصالحهما على مفاسدهما، وقسم هذه المصالح إلى أربعة أقسام: أحدها ما يباح، والثانى ما يجب لعظم مصلحته، والثالث ما يستحب لزيادة مصلحته على مصلحة المباح، والرابع مختلف فيه.
وذكر أمثلة لكل قسم، ومن الأمثلة التى ذكرها لفعل المصلحة التى هى أعظم من المفسدة فيكون فعل المصلحة واجبًا ما قاله:"نبش الأموات مفسدة محرمة، لما فيه من انتهاك حرمتهم، لكنه واجب إذا دفنوا بغير غسل، أو وجهوا إلى غير القبلة؛ لأن مصلحة غسلهم وتوجيهم إلى القبلة أعظم من توقيرهم بترك نبشهم .."وقال:"ولو ابتلعوا جواهر مغصوبة شقت أجوافهم"، وقال:"وكذلك شق جوف المرأة على الجنين المرجو حياته؛ لأن حفظ حياته أعظم مصلحة من مفسدة انتهاك حرمة أمه"؛ فلم يقل هؤلاء العلماء بأن عدم جواز اننتهاك حرمة الموتى يمنع شق بطن المتوفاة لأمر أخطر وأهم كإنقاذ حياة الجنين بعد
(1) سورة المائدة، الآية: 32.
(2) المجموع للنووى- شرح المهذب للشيرازى جـ 5، صـ 300، وحاشية ابن عابدين"رد المحتار على الدر المختار"جـ 1، صـ 628، والمغنى لابن قدامة جـ 2، صـ 551، والمحلى لابن حزم، وقد ذكر الدكتور: محمد على البار هذه المصادر في كتابه"الموقف الفقهى والأخلاقى من قضية زرع الأعضاء"صـ 163.
(3) قواعد الأحكام في مصالح الأنام لعز الدين بن عبد السلام صـ 74.
(4) (( سورة التغابن، الآية: 16.
(5) سورة البقرة، الآية: 219.