الدنيا الضرورية والحاجية والتحسينية ولا غنى عنها بالنسبة للضروريات منها؛ وبذلك كان الإنسان ومنافع الحياة التى يعيش فيها وجهين لعملة واحدة كالروح مع الجسد لا غنى لأحدهما عن الآخر، ويشهد لذلك قوله- تعالى-: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [1] ، المال: كل مظاهر الحياة ومنافعها للإنسان، والبنون: المراد به كل بنى الإنسان، وهو بنى آدم وذريته من بعده جيلًا بعد جيل بواسطة التناسل والزواج الشرعى الذى أحله الله وجعل منه السكن والمودة وبناء المجتمعات البشرية والسكانية في الأرض كلها إلى يوم القيامة.
هذا وقد فضل الله آدم وذريته- المؤمنين- من بعده على الملائكة بالعلم الذى علمه الله لآدم وذلك بقوله- تعالى-: {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا} [2] ، والمراد بالأسماء كل العلوم والفنون التى تمكن الإنسان من خلافته الشرعية في الحياة الدنيا، وتحقيق كل منافعه الدينية والدنيوية على الوجه المشروع الذى أراده الله- سبحانه وتعالى-، والتى توارثتها البشرية عن طريق الجينات الوراثية من أبيهم آدم- عليه السلام-.
ومن هذه العلوم ما يتعلق بالموت والحياة والصحة والدواء والشفاء، وكل ما يتعلق بالإنسان في حياته وموته وصحته ومرضه .. هذا وفى طريق التقدم العلمى واكتشافه تمكن أهل الاختصاص الطبى- في مجال العلاج- من نقل وزرع الأعضاء لتحقيق الشفاء بإذن الله بين الأحياء بعضهم وبعض، وبين الأموات والأحياء وذلك في العصر الحديث، وقد اختلفت الآراء الفقهية والشرعية؛ وكذلك العلمية والطبية بين الحل والحرمة والجواز وعدمه من الناحية الشرعية والطبية والقانونية.
وقد عقدت المؤتمرات العالمية والمحلية والمجامع الفقهية والبحثية في الدول الإسلامية حول هذا الموضوع، وصدر عن بعضها قرارات وتوصيات بالجواز واعتبار الموت الإكلينيكى"موت جذع المخ أو المخ"موتًا شرعيًّا، والبعض الآخر لم يعتبر ذلك.
ونظرًا لأن هذا الخلاف ما يزال قائمًا، وهناك اتجاهات في الدول الإسلامية ومنها مصر لوضع قانون تشريعى في ذلك يتفق مع أحكام ومبادئ الشريعة الإسلامية؛ فقد قرر مجمع البحوث الإسلامية- بالأزهر الشريف- في مؤتمره العالمى الثالث عشر، والمقرر انعقاده في ربيع الأول 1430 هـ الموافق 10 مارس 2009 م أن تكون زراعة ونقل الأعضاء أحد محاوره الرئيسية.
ولذلك تقدمت إلى المؤتمر بهذا البحث ضمن مطلبين:
أحدهما: في بيان الحكم الشرعى من حيث الجواز وعدمه ورأينا في ذلك.
والثانى: في حقيقة الموت الشرعى وضوابطه الشرعية.
(1) ) سورة الكهف، الآية: 46.
(2) سورة البقرة، الآية: 31.