وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك في قوله تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ) [الحديد: 25] ،
فقوله: (فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ) أي في الحديد الذي تتخذ منه آلات الحرب والقتال، فيجعل في يد الدولة رادعًا لمن أبى الحق وعانده بعد قيام الحجة عليه [1] . وقال الرازي:"الميزان إشارة إلى حمل الناس على تلك الأحكام المبنية على العدل والإنصاف ... والحديد إشارة إلى أنهم لو تمردوا لوجب أن يحملوا عليها بالسيف" [2] . وقد حرص عمر بن الخطاب رضي الله عنه على وقف الأراضي المفتوحة عنوة في العراق على جميع المسلمين، ورفض توزيعها على المقاتلين الذين اشتركوا في الفتح؛ لتكون موردًا دائمًا للدولة الإسلامية. حيث قال:"أرأيتم هذه الثغور لابدَّ لها من رجال يلزمونها، أرأيتم هذه المدن العظام -كالشام والجزيرة والكوفة ومصر- لا بدَّ لها من أن تشحن بالجيوش وإدرار العطاء عليهم؛ فمن أين يعطى هؤلاء إذا قسمت الأرض والعلوج"."ثم قال"فكيف بمن يأتي من المسلمين فيجدون الأرض بعلوجها قد أقتسمت وورثت عن الآباء وحيزت؛ ما هذا برأي" [3] ."
إن وقف الأراضي المفتوحة بما فيها من ثروات معدنية وبحرية على المسلمين يسد حاجة المسلمين، ويؤدي إلى استئصال الفقر، كما يؤدي إلى تحسين مستوى التنمية للدولة.
لكن على الدولة المسلمة أن تبذل ما في وسعها للاستفادة من تلك الثروات، ولا يجوز لها تعطيلها، وقد جعل الإسلام استخراج تلك الثروات الباطنة من الأرض من فروض الكفاية، وهي التي إذا قام بها بعض أفراد المجتمع سقط الإثم عن الجميع، وإذ لم يقم بها أحد لحق الإثم الجميع بمن فيهم رئيس الدولة الموكل بالإشراف على ذلك، والمطالبة بتحقيق المصلحة للمسلمين.
فعلى رئيس الدولة المسلمة توجيه ذوي الملكات والمواهب والقدرات العلمية إلى استخراج تلك الثروات: قال النووي في كتاب المنهاج:"إن من فروض الكفاية الحرف"
(1) تفسير القرآن العظيم لابن كثير 4/ 283.
(2) تفسير الرازي 29/ 240.
(3) الخراج لأبي يوسف 24 - 27.