الصفحة 23 من 59

تكييفه على أنه مرَّ بعدة عقود منها: الإقطاع، والإجارة، والمساقاة.

فالإقطاع هو: أن يقوم الإمام بإعطاء الأرض التي تتضمن المعادن إلى بعض المسلمين؛ ليستخرجوا منها المعادن إما بمقابل، أو بدون مقابل، وفق المصلحة العامة، وبشروط خاصة.

لكن الفقهاء منعوا الإقطاع إذا كانت المعادن ظاهرة: وهي التي لا تحتاج إلى عمل ونفقة لاستخراجها: مثل الملح والكحل والكبريت، فلا يجوز للإمام إقطاعها لآحاد الناس، ولا تملك بالإقطاع؛ لأن فيه ضررًا بالمسلمين وتضيقًا عليهم لتعلق مصالح المسلمين العامة بها.

قال ابن عقيل:"هذا من مواد الله الكريم وفيض جوده الذي لا غناء عنه، فلو ملكه أحد بالاحتجاز ملك منعه، فضاق على الناس، فإن أخذ العوض عنه إغلاء، مخرج عن الموضع الذي وضعه الله من تعميم ذوي الحوائج من غير كلفة" [1] .

وقال ابن قدامة:"وجملة القول أن المعادن الظاهرة التي، وهي التي يوصل ما فيها من غير مؤونة ينتابها الناس، وينتفعون بها ... ؛ لا يجوز إقطاعها لأحد من الناس، ولا احتجازها دون المسلمين؛ لأن فيه إضرارًا بالمسلمين وتضيقا عليهم" [2] .

واستدلوا لذلك بما روى أبو عبيد - بسنده عن أبيض بن حمال المازني أنه استقطع رسول الله صلى الله عليه وسلم الملح الذي بمأرب فقطعه له. قال فلما ولى قيل: يا رسول الله أتدري ما قطعت له. إنما أقطعته الماء العد قال فرجعه منه" [3] ."

وقوله صلى الله عليه وسلم:"المسلمون شركاء في ثلاث: الماء والكلأ والنار" [4] .

قال الشافعي:"وهذا (المعادن الظاهر) كالنبات فيما لا يملكه أحد، وكالماء فيما لا يملكه أحد .. فنمنعه إقطاع مثل هذا، فإنما هذا حمى، وقد قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا حمى إلا لله ورسوله" [5] ."

فإن قال قائل فكيف يكون حمى؟ قيل هو لا يحدث فيه شيئًا لا يدركه إلا بالمؤونة عليه

(1) المغنى لابن قدامه 5/ 572، وانظر: بدائع الصنائع للكاساني 6/ 194، المقدمات لابن رشد 1/ 225، مغني المحتاج للشربيني 2/ 372.

(2) المغنى لابن قدامة، 5/ 571.

(3) الأموال لأبي عبيد ص 309.

(4) سنن ابن ماجه، كتاب الرهون، باب المسلمون شركاء، ص 267، رقم (2472) .

(5) صحيح البخاري، كتاب المساقات، باب لا حمى إلا لله، ص 444، رقم (2370) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت