إنما يستدرك فيه شيئًا ظاهرًا ظهور الماء والكلأ، فإذا تحجر ما خلق الله من هذا، فقد حمى لخاصة نفسه فليس ذلك له. وكنه شريك فيه كشركته في الماء والكلأ الذي ليس في ملك أحد ..
ومثل هذا كله عين ظاهرة أو كبريت أو مومياء أو حجارة ظاهرة كمومياء في غير ملك لأحد، فليس لأحد، أن يتجحدها دون غيره ولا لسلطان أن يمنعها لنفسه، ولا لخاص من الناس لأن هذا كله ظاهر كالماء والكلأ" [1] ."
وأما إذا كانت المعادن باطنة، وتحتاج في إخراجها إلى مؤونة وعمل؛ فقد ذهب الحنفية والمالكية والشافعية في قول والحنابلة في قول إلى أن المعادن الباطنة تقطع للناس؛ لأنها لا يوصل إليها إلا بالعمل والنفقة: كمعادن الذهب والفضة والحديد والنحاس وغير ذلك، فإنها لا تستخرج إلا بالحفر والتنقيب والتصفية [2] .
في حين ذهب الشافعية في قول والحنابلة في قول إلى أن المعادن الباطنة لا تقطع للناس؛ لأنها مملوكة لكافة الناس كالمعادن الظاهرة [3] .
والراجح هو القول الأول من أن المعادن الباطنة تقطع للناس إذا كان في ذلك مصلحة راجحة، وهو إقطاع إرفاق، فلا يملك المقطع الأرض التي تتضمن المعادن، ولا المعادن قبل استخراجها، فإن استخرجها واستولى عليها ملك المعادن ملكًا خاصًا.
هذا بالنسبة لإقطاع المعادن للمسلمين، وأما إقطاعها لغير المسلمين فقد نص الشافعية على أن الذمي يمنع من استخراج المعادن والكنوز في دار الإسلام، كما يمنع من إحياء الأرض الموات، لأن الدار للمسلمين وهو دخيل.
قال النووي:"وأعلم أن السلطان والحاكم يزعج الذمي عن معدن دار الإسلام، وينقدح جواز إزعاجه لكل مسلم، لأنه صاحب حق فيه" [4] .
(1) الأم للشافعي 4/ 42.
(2) المبسوط للسرخسي 2/ 217، مواهب الجليل 2/ 336، الأحكام السلطانية للماوردي ص 197، تحرير الأحكام لابن جماعة ص 115، الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص 236.
(3) الأحكام السلطانية للماوردي ص 197، الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص 236.
(4) روضة الطالبين للنووي 2/ 260،وانظر المجموع للنووي 6/ 76.