وقد برزت أهمية موضوع الإفصاح نتيجة ظهور انفصال الملكية للشركة عن الإدارة، وقد ازدادت أهميته بعد الأزمة الاقتصادية الكبرى التي حلت بالولايات الأمريكية سنة (1929 م) والتي كادت أن تودي بالنظام الرأسمالي، حيث كان من أبرز أسبابها التلاعب في الأرقام والمعلومات المالية المنشورة في القوائم المالية للشركات بغية اجتذاب رؤوس أموال المستثمرين مما أدى إلى تبخر مدخرات المستثمرين، وتوجيهها إلى شركات غير ناجحة، بل بعضها وهمية.
وإذا كان الإفصاح قد ظهر في العصر الحاضر، فإنه ظهر في الإسلام في وقت مبكر، فقد روى أبو عبيد عن جرير بن عبد الله، أنه كان يقول لبنيه:"يا بني، إذا جاءكم المصدق فلا تكتموه من نعمكم شيئًا، فإنه إن عدل عليكم فهو خير لكم وله، وإن جار عليكم فهو شر له وخير لكم، ولا تدعوا إذا صدق الماشية وصدرت، أن تأمروه أن يدعو لكم بالبركة" [1] .
وعن أبي يونس، مولى أبي هريرة أنه سمع أبا هريرة، وأبا أسيد صاحبي رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولان:"إن حقا على الناس إذا قدم عليهم المصدق أن يرحبوا به، ويخبروه بأموالهم كلها، ولا يخفوا عنه شيئا، فإن عدل فسبيل ذلك، وإن كان غير ذلك واعتدى، لم يضر إلا نفسه، وسيخلف الله لهم" [2] .
وجاء في كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لثقيف:"بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لثقيف، كتب أن لهم ذمة الله الذي لا إله إلا هو، وذمة محمد بن عبد الله النبي، على ما كتب عليهم في هذه الصحيفة: أن واديهم حرام محرم لله كله: عضاهه، وصيده، وظلم فيه، وسرق فيه، أو إساءة، وثقيف أحق الناس بوج، ولا يعبر طائفهم، ولا يدخله عليهم أحد من المسلمين يغلبهم عليه، وما شاءوا أحدثوا في طائفهم من بنيان أو سواه بواديهم، لا يحشرون ولا يعشرون، ولا يستكرهون بمال ولا نفس، وهم أمة من المسلمين يتولجون من المسلمين حيث ما شاءوا، وأين تولجوا ولجوا، وما كان لهم من أسير فهو لهم، هم أحق الناس به حتى يفعلوا به ما شاءوا، وما كان لهم من دين في رهن فبلغ أجله فإنه لواط مبرأ"
(1) الأموال للقاسم بن سلام (2/ 424) والأموال لابن زنجويه (3/ 337) .
(2) الأموال للقاسم بن سلام (2/ 429) والأموال لابن زنجويه (3/ 345) .