فهرس الكتاب

الصفحة 161 من 163

والآخرون اعتقدوا أن هاهنا سعادة وكمالا، يصل إليه الانسان بعد موته وفي الحياة الأخرى؛ فان هاهنا فضائل وأفعالا فاضلة في الحقيقة يفعلها لينال بها السعادة بعد الموت. ونظروا، فإذا ما يشاهدون في الموجودات الطبيعية لا يمكن أن ينكروا ويجحدوا؛ وظنّوا أنهم إن سلموا أن جميعها طبيعي على ما هو مشاهد، أوجب ذلك ما ظنه أهل الجاهلة. فرأوا لذلك أن يقولوا إن للموجودات الطبيعية المشاهدة على هذه الحال، وجودا آخر غير الوجود المشاهد اليوم، وإن هذا الوجود الذي لها اليوم غير طبيعي لها بل هي مضادة لذلك الوجود الذي هو الوجود الطبيعي لها. وإنه ينبغي أن يقصد بالارادة، ويعمل في إبطال هذا الوجود ليحصل ذلك الوجود الذي هو الكمال الطبيعي، لأن هذا الوجود هو العائق عن الكمال؛ فإذا بطل هذا، حصل بعد بطلانه الكمال (1) .

وآخرون يرون أن وجود الموجودات حاصل لها اليوم، ولكن اقترنت إليها واختلطت بها أشياء أخر، أفسدتها وعاقتها عن أفعالها، وجعلت كثيرا منها على غير صورتها، حتى ظنّ مثلا بما ليس بانسان أنه انسان، وبما هو انسان أنه ليس بانسان، وبما هو فعل الانسان أنه ليس بفعل له، وبما ليس بفعل له أنه فعل له، حتى صار الانسان في هذا الوقت لا يعقل ما شأنه أن يعقل، ويعقل ما ليس شأنه أن يعقل. ويرى في أشياء كثيرة أنها صادقة وليست كذلك، ويرى في أشياء كثيرة أنها محالة من غير أن تكون كذلك.

1)السعادة لا تنال في هذه الحياة الدنيا وانما تتحقق بعد الموت أو في وجود آخر، ولذا ينبغي التخلص من هذا الوجود الدنيوي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت