[54] ما هذا الذى معك؟ قال: سم ساعة. قال: / ما تصنع به؟ قال: أتيتك فإن (1) يكن عندك ما يسرنى ويوافق أهل بلدى قبلته، وحمدت الله عليه. وإن تكن الأخرى، لم أكن (2) أول من ساق إلى أهل بلده حزنا وبلاء، فآكل هذا السم وأستريح من الدنيا، فما بقى من عمرى إلا يسير. قال له خالد: هاته، فأخذه فوضعه في راحته، ثم قال: بسم الله وبالله، بسم الله رب الأرض والسماء، بسم الله الذى لا يضر مع اسمه شئ في الأرض ولا في السماء، ثم اقتحمه فتحللته غشيّة، وضرب بذقنه في صدره ساعة، ثم سرى عنه وأفاق كأنما نشط من عقال، فانصرف العبّادى إلى قومه. وكان عبادى المذهب، وهم [النّسطورية] (3) من النصارى. فقال: يا قوم قد جئتكم من عند شيطان [55] أكل سم ساعة فلم يضره، فعالجوه وأخرجوه عنكم. فصالحوه على / مائة ألف درهم، وساج، وهو الطيلسان (4) ، فرحل عنهم.
قال المسعودى: وإنما ذكرنا هذه الحكاية لتكون شاهدة لما قلنا من تنقل البحار، وتغلغل البحور والأنهار، على ممر الدهور والأعصار.
قال (5) : وأما الدّجلة: فإنها تخرج من بلاد آمد (6) من ديار بكر (7) ، وهى أعين ببلاد [خلاط] (8) من أرمينية، ويصب إليها أنهار [سربط] (9) و [ساتيدما] (10) ، وما يخرج من
(1) «فإن لم» في نسخة ح. (2) «تكن» في نسخة ح.
(3) «السنطورية» في نسختى المخطوطة. والمثبت من التنبيه والإشراف.
والنسطورية: فرقة من فرق النصارى الشرقيين. وهم يقرون بنبوة المسيح عليه السلام. ومتفقون على أن معبودهم ثلاثة أقانيم، وهذه الأقانيم الثلاثة شئ واحد وهو جوهر قديم، ومعناه أب وابن وروح القدس إله واحد. لمزيد من التفاصيل عن هذه الفرقة راجع: التنبيه والإشراف، ص 127 ـ 128؛ المقريزى: الخطط، ج 2، ص 500.
(4) الطيلسان: ضرب من الأوشحة يلبس على الكتف، أو يحيط بالبدن، خال من التفصيل والخياطة، أو هو ما يعرف في العامية المصرية بالشال. والجمع: طيالس وطيالسة. المعجم الوجيز.
(5) انظر: مروج الذهب، ج 1، ص 105.
(6) آمد: أعظم مدن ديار بكر وأجلّها قدرا وأشهرها ذكرا. وهى بلد قديم حصين مبنى بالحجارة السود على نشز دجلة محيطة بأكثره مستديرة به كالهلال، في وسطه عيون وآبار، وفيها بساتين ونهر. وقد فتحت آمد في سنة عشرين من الهجرة. انظر: معجم البلدان، ج 1، ص 56 ـ 57.
(7) ديار بكر: بلاد كبيرة واسعة تنسب إلى بكر بن وائل بن قاسط بن هنب بن أقصى، وحدها ما غرب من دجلة إلى بلاد الجبل المطل على نصيبين إلى دجلة، ومنه حصن كيفا وآمد وميافارقين. انظر: معجم البلدان، ج 2، ص 494.
(8) «خالد» في نسختى المخطوطة. والمثبت بين الحاصرتين من مروج الذهب، ج 1، ص 105.
(9) «سريط» في نسختى المخطوطة ومروج الذهب، ج 1، ص 105. والمثبت من معجم البلدان، ج 3، ص 68؛ بلدان الخلافة الشرقية، ص 144. وقد ذكر ياقوت أن سربط موضع في بلد أرمينية له نهر يعرف به ويصب في دجلة.
(10) «ساتيد» في نسختى المخطوطة. والمثبت من مروج الذهب، ج 1، ص 105؛ معجم البلدان، ج 3، ص 7 ـ 8؛ بلدان الخلافة الشرقية، ص 143. ونهر ساتيدما يقال له أيضا «ساتيدماد» وهو فرع من نهر ينحدر من شمال ميافارقين ليصب في نهر الدجلة.