الصفحة 1687 من 1943

بتفسيقه لما بيناه في المسألة المتقدمة ولو لم يتب وأقام على قذفه كانت شهادته مقبولة وإنما بطلان الشهادة ولزومه سمة الفسق مرتب على وقوع الحد به فالاستثناء إنما رفع عنه سمة الفسق التي لزمه بعد وقوع الحد فأما قبل ذلك فغير محتاج إلى الاستثناء في الشهادة ولا في الحكم بالتفسيق ودليل آخر على صحة قولنا وهو أنا قد اتفقنا على أن التوبة لا تسقط الحد ولم يرجع الاستثناء إليه فوجب أن يكون بطلان الشهادة مثله لأنهما جميعا أمران قد تعلقا بالقذف فمن حيث لم يرجع الاستثناء إلى الحد وجب أن لا يرجع إلى الشهادة وأما التفسيق فهو خبر ليس بأمر فلا يلزم على ما وصفنا ومن جهة أخرى أن المطالبة بالحد حق لآدمى فكذلك بطلان الشهادة حق لآدمى ألا ترى أن الشهادات إنما هي حق للمشهود له وبمطالبة يصح أداؤها وإقامتها كما تصح إقامة حد القذف بمطالبة المقذوف فوجب أن يكونا سواء في أن التوبة لا ترفعهما وأما لزوم سمة الفسق فلا حق فيه لأحد فكان الاستثناء راجعا إليه ومقصورا عليه فإن قيل إذا كان التائب من الكفر مقبول الشهادة فالتائب من القذف أحرى به قيل له التائب من الكفر يزول عنه القتل ولا يزول عن التائب من القذف حد القذف فكما جاز أن تزيل التوبة من الكفر القتل عن الكافر جاز أن تقبل توبته ولا يلزم عليه التائب من القذف لأن توبته لا تزيل الجلد عنه وأيضا فإن عقوبات الدنيا غير موضوعة على مقادير الإجرام ألا ترى أن القاذف بالكفر لا يجب عليه الحد والقاذف بالزنا يجب عليه الحد فغلظ أمر القذف من هذا الوجه بما لم يغلظ به أمر القذف في أحكام الدنيا وإن كانت عقوبة الكفر في الآخرة أعظم فإن قيل فإذا تاب وأصلح فهو عدل ولى الله تعالى وقد كان بطلان شهادته بديا على وجه العقوبة والتوبة تزيل العقوبة وتوجب العدالة والولاية فغير جائز بطلان شهادته بعد توبته قيل له لا يكون بطلان شهادته بعد توبته على وجه العقوبة بل على جهة المحنة كما لا تكون إقامة الحد عليه بعد التوبة على جهة العقوبة بل على جهة المحنة ولله أن يمتحن عباده بما شاء على وجه المصلحة ألا ترى أن العبد قد يكون عدلا مرضيا عند الله وليا لله تعالى وهو غير مقبول الشهادة وكذلك الأعمى وشهادة الوالد لولده ومن جرى مجراه فليس بطلان الشهادة في الأصول موقوفا على الفسق وعلى وجه العقوبة حتى يعارض فيه بما ذكرت ومما يدل على أن توبة القاذف لا توجب جواز شهادته أن شهادته إنما بطلت بحكم الحاكم عليه بالجلد وجلده إياه ولم تبطل بقذفه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت