الصفحة 1769 من 1943

الطاهرة ولا فرق في ذلك بين أن يكون الذي خالطه من ذلك ماء أو غيره إذ كان عموم الآي والسنن شاملة له وإذ كان المعنى وجود النجاسة فيه حظر استعماله ويدل على صحة قولنا من جهة السنة قوله صلى الله عليه وسلم لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل فيه من جنابة وفي لفظ آخر ولا يغتسل فيه من جنابة ومعلوم أن البول القليل في الماء الكثير لا يغير طعمه ولا لونه ولا رائحته ومنع النبي صلى الله عليه وسلم منه فإن قيل إنما منع البول القليل لأنه لو أبيح لكل أحد لكثر حتى يتغير طعمه أو لونه أو رائحته فيفسد قيل له ظاهر نهيه يقتضى أن يكون القليل منهيا عنه لنفسه لا لغيره وفي حمله على أنه ليس بمنهى عنه لنفسه وإنما منع لئلا يفسد لغيره إثبات معنى غير مذكور في اللفظ ولا دلالة عليه وإسقاط حكم المذكور في نفسه وعلى أنه متى حمل على ذلك زالت فائدته وسقط حكمه لعلمنا بأن ما غير من النجاسات طعم الماء أو لونه أو رائحته محظورا استعماله بغير هذا الخبر من النصوص والإجماع فيؤدى ذلك إلى إسقاط حكمه رأسا وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل فيه من جنابة فمنع البائل الاغتسال فيه بعد البول قبل أن يصير إلى حال التغير ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم إذا استيقظ أحدكم من منامه فليغسل يديه ثلاثا قبل أن يدخلها الإناء فإنه لا يدرى أين باتت يده فأمر بغسل اليد احتياطا من نجاسة أصابته من موضع الاستنجاء ومعلوم أن مثلها إذا حلت الماء لم يغيره ولولا أنها تفسده لما كان للأمر بالاحتياط منها معنى وحكم النبي صلى الله عليه وسلم بنجاسة ولوغ الكلاب بقوله طهور أناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسل سبعا وهو لا يغيره فإن قيل قوله تعالى (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ـ إلى قوله تعالى ـ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً) وقوله تعالى (وَلا جُنُبًا إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا) يدل من وجهين على جواز استعماله وإن كانت فيه نجاسة أحدهما عموم قوله تعالى (حَتَّى تَغْتَسِلُوا) أن ذلك يقتضى جوازه بماء حلته النجاسة وبما لم تحله والوجه الآخر قوله تعالى (فَلَمْ تَجِدُوا ماءً) ولا يمتنع أحد من إطلاق القول بأن هذا ماء إذا كانت فيه نجاسة يسيرة لم تغيره وهذا يعارض ما استدللتم به من عموم الآي والأخبار في حظر استعماله ماء خالطته نجاسة قيل له لو تعارض العمومان لكان ما ذكرنا أولى من تضمنه من الحظر والإباحة والحظر متى اجتمعا كان الحكم للحظر وعلى أن ما ذكرنا من حظر استعمال النجاسة قاض على ما ذكرت من العموم فوجب أن يكون الغسل مأمورا بماء لا نجاسة فيه ألا ترى أنه إذا غيرته كان محظورا وعموم إيجاب الحظر مستعمل فيه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت