الصفحة 1772 من 1943

بنجس في نفسه وإنما يلحقه حكم النجاسة بمجاورته لها ولو لا قوله صلى الله عليه وسلم لكان جائزا أن يظن ظان أن الماء المجاور للنجاسة قد صار في حكم عين النجاسة فينجس ما جاوره فلا يختلف حينئذ حكم الماء الثاني والثالث إلى العاشر وأكثر من ذلك في كون جميعه نجاسا فأبطل النبي صلى الله عليه وسلم هذا الظن وأفاد أن الماء الذي لحقه حكم النجاسة من جهة المجاورة لا يكون في معنى أعيان النجاسات وأفادنا أيضا أن البئر إذا ماتت فيه فأرة فأخرجت أن حكم النجاسة إنما لحق ما جاور الفأرة دون ما جاور هذا الماء وإن الفأرة تجعله بمنزلة أعيان النجاسات فلذلك حكمنا بتطهير بعض ما بها فإن قيل لو كان الأمر على ما ذكرت لم يكن لقوله صلى الله عليه وسلم الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غير طعمه أو لونه معنى لأن الماء المجاور للنجاسة ليس نجس في نفسه مع ظهور النجاسة فيه قيل له هذا أيضا معنى صحيح غير ما ادعيت واستفدنا به فائدة أخرى غير ما استفدناه بالخبر الذي اقتصر فيه على قوله الماء طهور لا ينجسه شيء عاريا من ذكر الاستثناء وذلك لأنه إخبار عن حال غلبة النجاسة وسقوط حكم الماء معها فيصير الجميع في حكم أعيان النجاسات وأفاد بذلك أن الحكم للغالب كما تقول في الماء إذا مازجه اللبن أو الخل أن الحكم للأغلب منهما وقد تكلمنا في هذه المسألة وفي مسألة القلتين في مواضع فأغنى عن إعادته هاهنا.

(فصل) وأما الماء المستعمل فإن أصحابنا والشافعى لا يجيزون الوضوء به على اختلاف منهم في الماء المستعمل ما هو وقال مالك والثوري يجوز الوضوء به على كراهة من مالك له والدليل على صحة القول الأول ما روى أبو عوانة عن داود بن عبد الله الأودي عن حميد بن عبد الرحمن عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يغتسل الرجل بفضل وضوء المرأة وتغتسل المرأة بفضل وضوء الرجل وليفترقا وفضل الطهور يتناول شيئين ما يسيل من أعضاء المغتسل والآخر ما يبقى في الإناء بعد الغسل وعمومه ينتظمهما فاقتضى ذلك النهى عن الوضوء بالماء المستعمل لأنه فضل طهور وأيضا قوله صلى الله عليه وسلم لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ولا يغتسل فيه من جنابة وروى بكير بن عبد الله بن الأشج عن أبى السائب مولى هشام بن زهرة عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب ويدل عليه ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يا بنى عبد المطلب إن الله كره لكم غسالة أيدى الناس وعن عمر أنه قال لأسلم حين أكل من تمر الصدقة أرأيت

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت