فهرس الكتاب

الصفحة 130 من 399

وإن قلت أجمع المال لأشيد به سلطانى، فقد أراك الله تعالى عبرا ممن كان قبلك، ما أغنى عنهم ما جمعوا من الذهب والفضة، وما أعدوا من السلاح والكراع، وما ضرك ما كنت أنت فيه.

فو الله ما فوق ما أنت فيه منزلة تدرك إلا بالعمل الصالح، واعلم أنك لا تعاقب أحدا من رعيتك إذا عصاك بأعظم من القتل، والله تعالى يعاقب من عصاه بالعذاب الأليم، وأنه يعلم خائنة الأعين، وما تخفى الصدور، فكيف يكون وقوفك غدا بين يديه؟ وقد نزع ملك الدنيا من يدك، ودعاك إلى الحساب، هل يغنى عنك ما كنت فيه شيئا؟

قال: فبكى المنصور بكاء شديدا، حتى ارتفع صوته، ثم قال: كيف احتيالى فيما خولت، ولم أر من الناس إلا جانبا عنى، قال: يا أمير المؤمنين عليك بالأعلام الراشدين، قال: ومن هم؟ قال: العلماء العالمون. قال: فإنهم قد فروا منى، قال: نعم، فروا منك مخافة أن تحملهم على ما ظهر لهم من طريقك، فإذا فتحت الأبواب، وأسهلت الحجاب، ونصرت المظلوم ومنعت المظالم، وظهرت بالعدل، ونشرت الفضل؛ فأنا ضامن لمن هرب منك أن يعود إليك.

وجاء حينئذ المؤذن، وسلموا عليه، أذنوا للفجر، وأقاموا؛ فقام المنصور إلى الصلاة، فصلى بالناس، وإذا بالرجل قد غاب من بين أيديهم، فلما فرغ من الصلاة، سأل عنه، فقالوا: ذهب، فقال: إن لم تأتونى به عاقبتكم عقابا شديدا، فذهبوا يلتمسوه، فوجدوه في الطواف، فتقدم إليه الحرس، فقال: انطلق معى، وإلا هلكت، وهلك من معى، فقال: كلا لست بذاهب معك، فقال: إنه يقتلنى إن لم آته بك، فقال: كلا إنه لا يقدر على ذلك، وأخرج من جيبه ورقة، وقال: ضعها في جيبك، فلا يصيبك منه شئ، فإنه دعاء الفرج، قال: وما دعاء الفرج؟ قال: لا يرزقه الله إلا للسعداء، من دعا به صباحا ومساء هدمت ذنوبه واستجيب دعاؤه، وبسط الله تعالى رزقه، وأعطاه أمله، وأعانه على عدوه، وكتب عند الله صديقا، فقال: اقرأه لى عندوا تلفته منك، قال: قل: اللهم كما لطفت

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت