فهرس الكتاب

الصفحة 129 من 399

عنك، يقولون في أنفسهم: هذا قد خان الله، فما لنا لا نخونه، فاتفقوا على ألا يصل إليك من أخبار الناس إلا ما أرادوا، ولا يخالف أمرهم عامل إلا أفضوه عنك وأبعدوه، فلما انتشر ذلك عنك وعنهم، عظمتهم الناس، وهابوهم وأكرموهم، وكان أول من صانعهم وداراهم عمالك بالأموال والهدايا والرشا، فتقووا بها على ظلم رعيتك، وتبعهم من كان ذا قدرة وثروة من رعيتك؛ ليظلموا من دونهم، فامتلأت بلادك بالظلم والغم، وزاد طمعهم وبغيهم وكثر فسادهم وإفسادهم، وصار هؤلاء شركاؤك في سلطانك فأنت غافل، فإن جاءك متظلم حيل بينه وبين الوصول إليه، وإن أراد رفع قصته إليك، وصرخ بين يديك، ضرب ضربا مبرحا؛ ليكون نكالا لغيره.

وأنت تنظر بعينك ولا ترحم بقلبك، فإن سألتهم عنه، قالوا: أساء الأدب؛ فأدبناه، وجهل مقامك؛ فضربناه، فأبقى الإسلام على ظهور هذه المظالم والآثام، فإنى سافرت لأرض الصين، فقدمتها، وقد أصاب ملكهم آفة أذهبت سمعه فجعل يبكى؛ فقال له وزراؤه: مالك تبكى، لأبكت عيناك، فقال: إنى لا أبكى على فقد سمعى؛ ولكن أبكى على المظلوم يصرخ ببالى، يطلب رفع ظلامته؛ فلا أسمع صوته، وحيث أذهب سمعى، فإن بصرى لم يذهب، فنادوا في الناس: أن لا يلبس أحمر إلا المظلوم لأميزه بالنظر؛ فأعينه، وكان يركب الفيل كل يوم ليرى المظلومين، ويستدنيهم، ويرفع عنهم ظلامتهم.

انظر يا مسكين، هذا مشرك بالله، غلبت رأفته بالمشركين على رأفتك بالمسلمين، وأنت تؤمن بالله، وابن عم نبيه صلى الله عليه وسلم، وأن الأموال لا تجمع رلا لواحد من ثلاثة أمور: إن قلت أجمعها لولدى ي، فقد أراك الله تعالى عبرا في الطفل، يخرج من بطن أمه عريانا، ماله على وجه مال، وما من مال إلا ودونه يد شحيحة تحويه وتصونه عن كل أحد، فما زال الله يلطف بذلك الغلام حتى يسوق إليه ما قدره له من المال ويحويه كما حواه غيره.

ولست الذى تعطى، بل الله يعطى من يشاء، ويمنع ممن يشاء، لا مانع لما أعطى، ولا معطى لما منع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت