فهرس الكتاب

الصفحة 128 من 399

المؤذنون، ويسلمون عليه، ويؤذنون الفجر ويقيمون الصلاة؛ فيخرج ويصلى بالناس، فخرج ذات ليلة في السحر، وشرع يطوف، إذ سمع رجلا عند الملتزم يقول: اللهم إنى أشكو إليك ظهور البغى والفساد في الأرض وما يحول بين الحق وأهله من الظلم والطمع، فأسرع المنصور في مشيته حتى ملأ مسامعه من كلامه، ثم خرج من الطواف إلى ناحية المسجد، ثم أرسل إلى ذلك الرجل، فصلى ركعتين، وقبل الحجر، ثم أقبل مع الرسول وسلم على المنصور؛ فقال له المنصور: ما هذا الذى سمعتك تقوله، من ظهور البغى والفساد في الأرض، وما يحول بين الحق وأهله من الظلم. فو الله لقد حشوت مسامعى ما أقلقنى، وأمرضنى، وأشغل خاطرى، فقال: يا أمير المؤمنين، إن آمنتنى على نفسى، وأصغيت إلىّ بأذن واعية، أنبأتك بالأمور من أصلها؛ وإلا احتجبت عنك بقدرة الله تعالى، ولم تصل إلىّ، واقتصرت على نفسى ففيها شغل شاغل عن غيرى، فقال: آمن على نفسك، فقل؛ فإنى ألقى عليك السمع، وأنا شهيد بالقلب، فقال: إن الذى داخله الطمع، حتى حال بينه وبين الحق، ومنع من إصلاح ما ظهر من الفساد والبغى في الأرض هو أنت، فقال: أيها الرجل، كيف يدخلنى الطمع، والصفراء والبيضاء بيدى، والحلو والحامض في قبضتى، ومن يحول بينى وبين ما أريد من ذلك، فقال: هل داخل الطمع أحد من الناس، ما داخلك يا أمير المؤمنين إن الله عزوجل استرعاك أمور المسلمين، وأنفسهم، وأموالهم، فأغفلت عن أمورهم، واهتممت بجمع أموالهم، وجعلت بينك وبينهم حجابا من الحجر والطين، وأبوابا من الخشب والحديد، وحجابا معهم السلاح، واتخذت وزراء فجرة، وأعوانا ظلمة، إن نسيت لا يذكرونك، وإن أحسنت لا يعينونك، وقويتهم على ظلم الناس بالأموال والسلاح والرجال، وأمرت ألا يدخل عليك غيرهم من الناس، ولم تأمر بإنصار المظلوم إليك، ومنعت من إدخال الملهوف عليك، وحجبت الجائع والعارى والمحتاج عنك، وما أحد منهم إلا وله حق في هذا المال، فما زال هؤلاء النفر الذين استخلصتهم لنفسك، وآثرتهم على رعيتك، وأمرتهم ألا يحجبوا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت