فهرس الكتاب
وما جهلت طعم العلا ... ولكنها تورث العافية
وقيل في ذلك أيضا:
بقدر الصعود يكون الهبوط ... فإياك والرتب العالية ...
وكن في مقام إذا ما سقطت ... تقوم ورجلاك في عافية
وطالما رضيت الملوك والسلاطين بحال الفقراء والضعفاء والمساكين شعر:
فى كل بيت كربة ومصيبة ... ولعل بيتك إن رأيت أقلها
فارض بحال فقرك واشكر الله تعالى على خفة ظهرك، ولا تتعد، وقف على حدك تجد ذلك؛ نعمة خفية ساقها الله تعالى إليك، ورأفة ورحمة أفاضها الله تعالى من خزائن لطفه عليك.
فاعتبر بهذه الكلمات، وخذ لنفسك حظا وافرا من هذه العطايات.
وذلك أن هارون الرشيد، من أعقل الخلفاد العباسيين وأكلمهم رأيا وتدبيرا وفطنة وقوة واتساع مملكة، وكثرة خزائن، بحيث كان يقول للسحاب: امطرى حيث شئت، فإن خراج الأرض التى تمطرى فيها يحيى إلى.
ومع ذلك كان أتعبهم خاطرا، وأسهر فكرا، وأشغلهم قلبا، وكان أولاده محمد الأمين من زبيدة بنت أبى جعفر القاسم.
* تقسيم الرشيد مملكته ما بين ولده الأمين والمأمون، وما وقع:
وكانت زبيدة قد استولت على عقل الرشيد، تتصرف فيه كيف أرادت، وكان ولده منها ـ محمد الأمين ـ كثير الترف والدلال، كثير اللهو واللعب، ملعوبا على عقله، لا يصلح للملك ولا يستحق الخلافة.
وولده الثانى من جارية سوداء، اسمها مراجل، من جوارى المطبح، ماتت في نفاسها، وهو عبد الله المأمون أتم عقلا وأكمل رأيا، وأصح تدبيرا وأكثر فضلا ومعرفة، فيه صلاح لتدبير الملك وأهلية لأن يصير خلفا عن أبيه في خلافته.