فهرس الكتاب

الصفحة 71 من 399

حتى أدرك الابن، وهو يمشى على إثر أبيه، فقال له: يا غلام، هل تدرى أين يذهب بك أبوك؟ قال: نحتطب لأهلنا من هذا الشّعب، فقال له: والله ما يريد إلا ذبحك، قال: لأى شئ؟ قال: زعم أن الله تعالى أمره بذلك، قال: فليفعل ما أمره الله تعالى سمعا وطاعة لأمر الله تعالى.

فأقبل الشيطان إلى إبراهيم عليه السلام، فقال له: أين تريد أيها الشيخ؟ فقال: أريد هذا الشعب لحاجة لى فيه، فقال: إنى أرى الشيطان خدعك بهذا المنام الذى رأيته، إنه يريد ذبح ولدك وقطعة كبدك؛ فتندم بعد ذلك حيث لا ينفعك الندم، فعرفه إبراهيم، فقال: إليك عنى يا معلون، والله لأمضين لأمر ربى، فنكص إبليس على عقبيه، ورجع بخزيه وغيطه، ولم ينل من إبراهيم شئ.

فلما خلا إبراهيم في الشّعب، وقال: ذلك في تبين، فقال: (يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ؛ فَانْظُرْ ما ذا تَرى، قالَ: يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ، سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ) (1) .

فحدثت: أن إسماعيل قال له عند ذلك: يا أبتاه، ك إن أردت ذبحى فاشدد وثاقى، لا يصدنك من دمى، فينقص أجرى، فإن الموت شديد ولا أود أن اصطرب عنده إذا وجدت مسه، واستحد شفرتك حتى تجهز علىّ فتذبحنى، فإذا أنت ضجعتنى لتذبحنى فاكفنى على وجهى، ولا تضجعنى لشقى؛ فإنى أخشى إن أنت نظرت إلى وجهى أن تدركك الرقة؛ فيحول بينك وبين أمر ربك فىّ، وإن رأيت أن ترد قميصى إلى أمى؛ فإنه عسى أن يكون إسلالها فافعل، فقال إبراهيم: نعم، العون أنت يا بنى على أمر الله تعالى.

ويقال: إنه ربطه كما أمره بحبل فأؤثقه، ثم استحد شفرته، ثم تله للجبين واتقى النظر إلى وجهه، ثم أدخل الشفرة حلقه فقلبها جبريل عليه السلام في يده ثم اجتذبها إليه، ونودى: أن إبراهيم قد صدقت الرؤيا؛

(1) الآية رقم 102 من سورة الصافات، مكية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت