فهرس الكتاب
فذاق وبالا حين حاول ملكنا ... وعالج منا غصة تتجرع ...
ونحن عمرنا البيت كنا ولاته ... ندافع عنه من أتانا وندفع ...
وما كان يبغى أن يلى ذاك غيرنا ... ولم يك حى بعدنا ثم يمنع ...
وكنا ملوكا في الدهور التى مضت ... ورثنا ملوكا لا ترام فتوضع
ثم نشر الله أبناء إسماعيل وأخوالهم جرهم، وكانت جرهم ولاة البيت لا ينازعهم بنو إسماعيل لخئولتهم وقرابتهم، فلما ضاقت عليهم مكة انتشروا في الآفاق؛ فلا يأتون قوما، ولا ينزلون بلدا إلا أظهرهم الله عليهم بدينهم، وهو يومئذ دين إبراهيم حتى ملؤا البلاد، ونفوا عنها العمالقة، وكانوا ولاة مكة؛ فكانوا ضيعوا حرمة الحرم واستحلوها، واستخفوا بها؛ فأخرجهم الله من أرض الحرم.
قال: بم أن جرهما استخفت بأمر البيت الحرام، وارتكبوا الأمور العظام، وأحدثوا فيها ما لم يكن قبل ذلك؛ فقام عليهم مضاض بن عمرو خطيبا، فقال: يا قوم احذروا البغى فققد رأيتم من كان قبلكم من العماليق، كيف استخفوا بالبيت، فلم يعظموه، فسلطكم الله عليهم؛ فأخرجتموهم، فتفرقوا في البلاد، وتمزقوا كل ممزق، فلا تستخفوا بحرم الله تعالى فيخرجكم منه، فلم يطيعوه وولوهم بالغرور، وقالوا: من يخرجنا ونحن أعز العرب وأكثر رجالا وسلاحا؛ فقال لهم: إذا جاء أمر الله بطل ما تقولون، فلما رأى مضاض بن عمرو ذلك عمد إلى غزالتين من ذهب كانتا في الكعبة، وما وجد فيها من الأموال التى كانت تهدى إلى الكعبة، ودفنها في بئر زمزم، وكانت بئر زمزم قد نضب ماؤها؛ فحفرها بالليل، وأعمق الحفر، ودفن فيها تلك الغزالتين والأموال، وطم البئر، وأعزل جرهم وأخذ منهم بنى إسماعيل، وكانوا قد اعتزلوا عنهم حرب خزاعة (1) ؛ فأخرجت
(1) خزاعة: قبيلة من الأزد من القحطانية، وهم: بنو عمرو بن ربيعة بن حارثة بن مزيقياء. قال أبو عبيد: عمرو هذا أبو خزاعة كلها، ومنه تفرقت بطونها. نهاية الأرب: 244.