فهرس الكتاب
منه» (1) . وهذا البيت (2) أنشده سيبويه وقال: ولو نصب فسد المعنى (3) ، وأورده صاحب «الإيضاح» مستدلا به على مذهب الكوفيين (4) ، وما ذكره سيبويه أظهر، وبيان ذلك أنّ «لو» تدلّ على امتناع الشيء لامتناع غيره من حيث التقدير، وإذا وجب أن يكون ذلك مقدّرا وجب أن يكون غير حاصل، فيجب على هذا أنّ ما يذكر بعدها منفيّ إن كان مثبتا، ومثبت إن كان نفيا، فإذا قلت: «لو أكرمتني أكرمتك» فالإكرامان منفيّان، وإذا قلت: «لو لم تكرمني لم أكرمك» فالإكرامان حاصلان، وإذا ثبت ذلك كان قوله: «فلو أنّ ما أسعى لأدنى معيشة» موجبا أن يكون سعيه لأدنى معيشة غير حاصل، لأنّه مثبت في سياق «لو» ، فلو كان «لم أطلب» موجّها إلى «قليل» وهو داخل في سياق جواب «لو» لوجب أن يكون طالبا للقليل، فيكون قائلا (5) في صدر البيت: إنه لا يطلب القليل وفي عجزه إنّه طالب للقليل، وهو متناقض، وأيضا فإنّه قال بعده (6) :
ولكنّما أسعى لمجد مؤثّل ... وقد يدرك المجد المؤثّل أمثالي
وفهم من سياق كلامه أنّه لا يطلب إلّا الملك، ولا يستقيم أن يكون «لم أطلب» موجّها إلى قليل، لأنّه يلزم أن يكون طالبا للقليل، فيكون قائلا في البيت الذي بعده: ما أطلب إلّا الملك، وفي هذا البيت: إنّه يطلب القليل، وهو متناقض، وإذا ثبت أنّه ليس موجّها لقليل ثبت أنّه ليس من هذا الباب، إذ شرطه أن يكون الفعلان موجّهين إلى شيء واحد، فهذا الذي قصده سيبويه، وجرى الزمخشريّ على ما أراده سيبويه (7) .
وأمّا صاحب «الإيضاح» فالظّاهر أنّه قصد جهة أخرى، وهو أنّه لم يعطف «لم أطلب» على قوله: «كفاني» ليلزم (8) ما تقدّم، ولكنّه جعلها واو الحال، وإذا كانت واو الحال (9) لم يلزم أن
(1) عبارة المفصل «من قبيل ما نحن بصدده» ، المفصل: 21.
(2) تقدم البيت ورقة: 33 أ
(3) قال سيبويه بعد أن أنشد بيت امرئ القيس: «فإنما رفع لأنه لم يجعل القليل مطلوبا وإنما كان المطلوب عنده الملك، وجعل القليل كافيا، ولو لم يرد ذلك ونصب فسد المعنى» الكتاب: 1/ 76.
(4) انظر الإيضاح لأبي علي الفارسي: 67.
(5) سقط من ط: «قائلا» وهو خطأ.
(6) البيت في ديوان امرئ القيس: 39، والمؤثّل: المثمر الذي له أصل وهو الكثير أيضا.
(7) انظر شرح الكافية لابن الحاجب: 22.
(8) في د: «فيلزم» .
(9) سقط من د: «الحال» ، وهو خطأ.