فهرس الكتاب

الصفحة 46 من 410

تقول ودقّت نحرها بيمينها ... أبعلي هذا بالرّحا المتقاعس (1)

وربما جعل البعد ذريعة إلى التعظيم، كقوله تعالى: (الم(1) ذلِكَ الْكِتابُ) [البقرة: الآيتان 1، 2] ذهابا إلى بعد درجته، ونحوه (وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها) [الزّخرف: الآية 72] ولذا قالت: (فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ) [يوسف: الآية 32] لم تقل: «فهذا» وهو حاضر؛ رفعا لمنزلته في الحسن، وتمهيدا للعذر في الافتتان به.

وقد يجعل ذريعة إلى التحقير، كما يقال: ذلك اللعين فعل كذا، وإما للتنبيه إذا ذكر قبل المسند إليه مذكور، وعقّب بأوصاف؛ على أن يرد بعد اسم الإشارة فالمذكور جدير باكتسابه؛ من أجل تلك الأوصاف، كقول حاتم الطائي:

ولله صعلوك يساور همّه ... ويمضي على الأحداث والدّهر مقدما (2) ...

فتى طلبات، لا يرى الخمص ترحة ... ولا شبعة، إن نالها عدّ مغنما ...

إذا ما رأى يوما مكارم أعرضت ... تيمم كبراهنّ، ثمت صمما ...

ترى رمحه، ونبله، ومجنّه ... وذا شطب عضب الضّريبة مخذما ...

وأحناء سرج قاتر، ولجامه ... عتاد أخي هيجا، وطرفا مسوّما ...

فذلك إن يهلك فحسنى ثناؤه ... وإن عاش لم يقعد ضعيفا مذمّما

فعدّد له كما ترى خصالا فاضلة، من المضاء على الأحداث مقدما، والصبر على ألم الجوع، والأنفة من أن يعدّ الشّبعة مغنما، وتيمّم كبرى المكرمات، والتأهّب للحرب بأدواتها. ثم عقّب بذلك بقوله: «فذلك» فأفاد أنه جدير باتصافه بما ذكر بعده.

وكذا قوله تعالى: (أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (5) [البقرة: الآية 5] أفاد اسم الإشارة زيادة الدلالة على المقصود من اختصاص المذكورين قبله باستحقاق الهدى من ربهم والفلاح.

وإما لاعتبار آخر مناسب.

(1) يروى صدر البيت بلفظ:

تقول وصكّت صدرها بيمينها

والبيت من الطويل، وهو لهذلول بن كعب الحميري في شرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص 696، وبلا نسبة في خزانة الأدب 8/ 430، والخصائص 1/ 245، والدرر 1/ 293، واللامات ص 58، والمنصف 1/ 130.

(2) الأبيات من الطويل، وهي في ديوان حاتم الطائي ص 224.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت