فهرس الكتاب

الصفحة 70 من 410

وكما في قوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ) [النّساء: الآية 64] لم يقل: واستغفرت لهم، وعدل عنه إلى طريق الالتفات تفخيما لشأن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وتعظيما لاستغفاره، وتنبيها على أن شفاعة من اسمه الرسول من الله بمكان.

وذكر السكاكي لالتفات امرئ القيس في الأبيات الثلاثة على تفسيره وجوها:

أحدها: أن يكون قصد تهويل الخطب واستفظاعه؛ فنبّه في التفاتة الأول على أن نفسه وقت ورود ذلك النبأ عليها ولهت وله الثّكلى، فأقامها مقام المصاب الذي لا يتسلّى بعض التّسلّي إلا بتفجّع الملوك له، وتحزّنهم عليه، وخاطبها بـ «تطاول ليلك» تسلية أو على أنها لفظاعة شأن النبأ أبدت قلقا شديدا، ولم تتصبّر ـ فعل الملوك ـ فشك في أنها نفسه، فأقامها مقام مكروب وخاطبها بذلك تسلية، وفي الثاني على أنه صادق في التحزّن ـ خاطب أو لا ـ وفي الثالث على أنه يريد نفسه.

أو نبّه في الأول على أن النبأ لشدّته تركه حائرا، فلما فطن معه لمقتضى الحال فجرى على لسانه ما كان ألفه من الخطاب الدائر في مجاري أمور الكبار أمرا ونهيا، وفي الثاني على أنه بعد الصدمة الأولى أفاق شيئا، فلم يجد النفس معه، فبنى الكلام على الغيبة، وفي الثالث على ما سبق.

أو نبه في الأول على أنها حين لم تثبت، ولم تتبصّر غاظه ذلك فأقامها مقام المستحقّ للعتاب، فخاطبها على سبيل التوبيخ والتعبير بذلك، وفي الثاني على أن الحامل على الخطاب والعتاب لما كان هو الغيظ والغضب، وسكن عنه الغضب بالعتاب الأول، ولّى عنها الوجه وهو يدمدم قائلا: «وبات وباتت له» وفي الثالث على ما سبق.

هذا كلامه، ولا يخفى على المنصف ما فيه من التعسف.

ومن خلاف المقتضى ما سماه السكاكي الأسلوب الحكيم، وهو تلقّي المخاطب بغير ما يترقّب، بحمل كلامه على خلاف مراده، تنبيها على أنه الأولى بالقصد، أو السائل بغير ما يتطلب، بتنزيل سؤاله منزلة غيره، تنبيها على أنه الأولى بحاله أو المهمّ له.

أما الأول فكقول القبعثرى للحجاج ـ لما قال له متوعّدا بالقيد: «لأحملنّك على الأدهم» ـ: «مثل الأمير يحمل على الأدهم والأشهب» فإنه أبرز وعيده في معرض الوعد وأراه بألطف وجه أن من كان على صفته في السلطان وبسطة اليد فجدير بأن يصفد، لا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت