فهرس الكتاب

الصفحة 69 من 410

وذلك من نبإ جاءني ... وخبّرته عن أبي الأسود

فقال الزمخشري: فيه ثلاث التفاتات، وهذا ظاهر على تفسير السكاكي لأن على تفسيره في كل بيت التفاتة.

لا يقال: الالتفات عنده من خلاف مقتضى الظاهر؛ فلا يكون في البيت الثالث التفات، لوروده على مقتضى الظاهر، لأنا نمنع انحصار الالتفات عنده في خلاف المقتضى لما تقدم.

وأما على المشهور فلا التفات في البيت الأول، وفي الثاني التفاتة واحدة، فيتعين أن يكون في الثالث التفاتتان فقيل: هما في قوله: «جاءني» إحداهما باعتبار الانتقال من الخطاب في البيت الأول، والأخرى باعتبار الانتقال من الغيبة في الثاني، وفيه نظر؛ لأن الانتقال إنما يكون من شيء حاصل ملتبس به، وإذ قد حصل الانتقال من الخطاب في البيت الأول إلى الغيبة في الثاني لم يبق الخطاب حاصلا ملتبسا به، فيكون الانتقال إلى المتكلم في الثالث من الغيبة وحدها، لا منها ومن الخطاب جميعا، فلم يكن في البيت الثالث إلا التفاتة واحدة، وقيل: إحداهما في قوله «وذلك» لأنه التفات من الغيبة إلى الخطاب، والثانية في قوله «جاءني» لأنه التفات من الخطاب إلى التكلم، وهذا أقرب.

واعلم أن الالتفات من محاسن الكلام، ووجه حسنه ـ على ما ذكر الزمخشري ـ هو أن الكلام إذا نقل من أسلوب إلى أسلوب؛ كان ذلك أحسن تطرية لنشاط السامع، وأكثر إيقاظا للإصغاء إليه من إجرائه على أسلوب واحد.

وقد تختص مواقعه بلطائف كما في سورة الفاتحة؛ فإن العبد إذا افتتح حمد مولاه الحقيق بالحمد عن قلب حاضر، ونفس ذاكرة لما هو فيه، بقوله: (الْحَمْدُ لِلَّهِ) [الفاتحة: الآية 2] الدالّ على اختصاصه بالحمد، وأنه حقيق به؛ وجد من نفسه لا محالة محرّكا للإقبال عليه، فإذا انتقل على نحو الافتتاح إلى قوله: (رَبِّ الْعالَمِينَ) [الفاتحة: الآية 2] الدالّ على مالك للعالمين، لا يخرج منهم شيء عن ملكوته وربوبيّته؛ قوي ذلك المحرّك، ثم إذا انتقل إلى قوله: (الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) (3) [الفاتحة: الآية 3] الدالّ على أنه منعم بأنواع النعم جلائلها ودقائقها؛ تضاعفت قوة ذلك المحرك، ثم إذا انتقل إلى خاتمة هذه الصفات العظام، وهي قوله: (مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) (4) [الفاتحة: الآية 4] الدالّ على أنه مالك للأمر كله يوم الجزاء؛ تناهت قوته، وأوجب الإقبال عليه، وخطا به بتخصيصه بغاية الخضوع والاستعانة في المهمّات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت