فهرس الكتاب

الصفحة 90 من 410

رؤية محاسنه وآثاره، ومطلق السماع كناية عن سماع أخباره وكقول عمرو بن معديكرب:

فلو أن قومي أنطقتني رماحهم ... نطقت، ولكن الرماح أجرّت (1)

لأن غرضه أن يثبت أنه كان من الرّماح إجرار وحبس للألسن عن النطق بمدحهم والافتخار بهم، حتى يلزم منه بطريق الكناية مطلوبه وهو أنها أجرّته، وكقول طفيل الغنويّ لبني جعفر بن كلاب:

جزى الله عنّا جعفرا حين أزلقت ... بنا نعلنا في الواطئين، فزلّت (2) ...

أبوا أن يملّونا، ولو أن أمنا ... تلاقي الذي لا قوه منّا لملّت ...

هم خلطونا بالنفوس، وألجأوا ... إلى حجرات أدفأت وأظلّت

فإن الأصل: لملّتنا، وأدفأتنا، وأظلتنا، إلا أنه حذف المفعول من هذه المواضع ليدلّ على مطلوبه بطريق الكناية.

فإن قلت: لا شك أن قوله ألجأوا أصله ألجأونا فلأيّ معنى حذف المفعول منه؟

قلت: الظاهر أن حذفه لمجرد الاختصار؛ لأن حكمه حكم ما عطف عليه وهو قوله: «خلطونا» .

الضرب الثاني: أن يكون الغرض إفادة تعلّقه بمفعول، فيجب تقديره بحسب القرائن، ثم حذفه من اللفظ.

إما للبيان بعد الإبهام، كما في فعل المشيئة إذا لم يكن في تعلّقه بمفعوله غرابة، كقولك: لو شئت جئت أو لم أجئ، أي لو شئت المجيء أو عدم المجيء؛ فإنك متى قلت: «لو شئت» علم السامع أنك علقت المشيئة بشيء، فيقع في نفسه أن هنا شيئا تعلّقت به مشيئتك بأن يكون أو لا يكون، فإذا قلت: «جئت» أو «لم أجئ» عرف ذلك الشيء، ومنه قوله تعالى: (فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ) [الأنعام: الآية 149] ، وقوله تعالى: (فَإِنْ يَشَإِ اللهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ) [الشّورى: الآية 24] ، وقوله تعالى: (مَنْ يَشَأِ اللهُ يُضْلِلْهُ) [الأنعام: الآية 39] .

وقول طرفة: [بن العبد]

(1) البيت من الطويل، وهو لعمرو بن معديكرب في ديوانه ص 73، ولسان العرب (جرر) ، ومقاييس اللغة 1/ 411، ومجمل اللغة 1/ 389، وتهذيب اللغة 10/ 476، وتاج العروس (جرر) ، وبلا نسبة في كتاب العين 6/ 114.

(2) الأبيات من الطويل، والبيت الأول بلا نسبة في لسان العرب (شرف) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت