فهرس الكتاب
لا يصح صدور فعل إلا عن متصور، فما لم يكن تصور لم يصح فعل. والعقل الذي بالقوة لا يصدر عنه فعل، إذ لا تصور له بالفعل. والعقول الفعالة إنما تصح تأثيراتها وصدور الأفعال منها لتصوراتها التي لها بالفعل، وكلما كان أشد تصورا، يكون أتم فعلا، إلى أن ينتهى إلى الأول الذي ليس فيه شاء بالقوة. فلذلك يلزم أن يكون صدور كل موجود عنه، ولا يجوز أن يكون الأول جسما، لأن الجسم تدبره نفس، والنفس يكون تصورها بالقوة، وتحتاج إلى مصور يصور لها الأشياء، ويخرجها من القوة إلى الفعل، فإنها تؤثر في نفوسنا، ولا تؤثر نفوسنا فيها، لأنها غير متشعبة القوى. ونحن فقوانا متشعبة، يصد بعض القوة بعض القوة عن فعلها بالتمام، كما تشغل القوة الحاسة القوة الخيالية عن فعلها بالتمام، فإذا لم تشغلها تم فعلها، كالحال في المنام. والكواكب لا تصدّ بعض قواها بعضا، فيصح صدور الفعل عنها بالتمام، وقواها غير متشعبة، بل كأنها قوة واحدة. فالقوة الباصرة فيها هى القوة السامعة، وهى القوة المتصورة، فكأنها متوفرة على قوة واحدة، فلهذا تؤثر فينا ولا نؤثر فيها.
موضوع المنطق هو المعقولات الثانية المستندة إلى المعقولات الأول، من حيث يتوصل بها من معلوم إلى مجهول. وشرح ذلك أن للشاء معقولات أول، كالجسم والحيوان وما أشبههما، ومعقولات ثانية تستند إلى هذه، وهى كون هذه الأشياء كلية وجزئية وشخصية. والنظر في إثبات هذه المعقولات الثانية يتعلق بعلم ما بعد الطبيعة. وهى موضوعة لعلم المنطق لا على نحو وجودها مطلقا، فإن نحو وجودها مطلقا يثبت هناك، وهو أنها هل لها وجود في الأعيان أو في النفس ـ بل بشرط آخر، وهو أن يتوصل منها من معلوم إلى مجهول. وإثبات هذه الشريطة يتعلق بعلم ما بعد الطبيعة، وهو أن تعلم أن الكلى قد يكون جنسا، وقد يكون فصلا، وقد يكون نوعا، وقد يكون خاصة، وقد يكون عرضا عاما. فإذا أثبت في علم ما بعد الطبيعة الكلى الجنسى والكلى النوعى، صار الكل حينئذ بهذا الشرط موضوعا لعلم المنطق، ثم ما يعرض للكلى بعد ذلك من لوازمها وأعراضها الذاتية يثبت في علم المنطق. وللجهات أيضا شرائط تصير بها المعقولات الثانية موضوعة لعلم المنطق، وهو أن نعلم أن الكلى قد يكون واجبا أو مطلقا أو ممكنا، فقد يصير بذلك الكلى موضوعا لعلم المنطق، وأما تحديد هذه الأشياء وتحقيق ماهياتها، فيكون في علم الطبيعة، لا في علم ما بعد الطبيعة، كالحال في تحديد موضوعات سائر العلوم. ومثال المعقولات الثانية