فهرس الكتاب

الصفحة 190 من 194

فالصورة المجردة عن المادة وجودها معقوليتها، أى وجودها هو أنها عقلت، فإنها إن لم تعقل لم توجد. كما أن الصورة المحسوسة وجودها محسوسيتها، وهو أنها أحست. وكما أنك لو أحضرت في ذهنك صورا تجردها عن موادها، لكان وجودها في ذهنك هو أنك عقلتها ـ كذلك إذا كانت مجردة بذواتها لم يكن وجودها إلا أنها عقلت. فالوجود لها هو أنها معقولة، فإنها إنما توجد عند ما تعقل. ووجود الأول هو عقليته لذاته، أى أنه تعقل ذاته، فإن ذاته مجردة، فموجوديتها له هو أنه تعقلها. فوجود ذاته دائم، فعقليته لها دائمة. ولما كانت النفس الإنسانية مجردة عن المادة، وكان وجودها لذاتها، كانت عاقلة لذاتها، ومعقولة لذاتها، إذ كانت ذاتها مجردة عن المادة، على ما تبين، ولم تكن ذاتها المجردة مباينة لذاتها المجردة، كمباينة البياض مثلا، أو الجسمية لذاتيهما، فإن البياض والجسمية وجودهما لغيرهما، أعنى للمادة والموضوع. ووجود ذات كل واحد منهما مباين لذاته، فالنفس هى عالمة لذاتها، ومعلومة لذاتها. وواجب الوجود مجرد عن المواد غاية التجريد، فذاته غير محجوبة عن ذاتها، أى واصلة إليها، وغير مباينة لها، إذ البياض محجوب عن ذاته، أعنى أن وجوده في غيره. والمحجوب عن الشاء هو أن لا يكون ذلك الشاء موجودا في المحجوب عنه، فإن البياض المحجوب عن البصر هو أن لا يكون حاصلا في البصر، فلا يدركه البصر. وأما الحاجز بينك وبينه، فهو الذي يمنع من حصوله في حس البصر، وهو السبب في عدم حصول ذلك الشاء المحسوس في حسك، أو عدم سبب الحصول. فواجب الوجود بذاته عاقل لذاته ومعقول لذاته، فإنا إذا قلنا: «علم مجرد لشاء مجرد» ـ معناه أن ذلك المجرد إذا اتصل بمجرد، عقله ذلك المجرد المتصل به، ولما كانت ذات واجب الوجود مجردة، ولم تكن مباينة لذاتها، بل كانت متصلة بها، أى وجوده له كان عاقلا لذاته، ومعقولا لذاته، وهو بالحقيقة وجوده شيئا، ومعقوليته شيئا آخر، كالحال في الصورة المادية، التي وجودها شاء ومعقوليتها تكون بعد وجودها، فلا تكون معقولة وهى موجودة، بل من شأنها أن تعقل. والصور الفائضة عن الأول فإن نفس صدورها عنه هو معقوليتها له، لا أنها تصدر، ثم تعقل بعد صدورها. والأول عقليته لذاته ومعقوليتها له شاء واحد، فهو عاقل ومعقول وعقل، والعقل بالحقيقة هو المعقول، فإن المعقول هو الشاء الحاصل في الذهن. فأما الأمر من خارج، فهو بالعرض معلوم ومعقول، لا بالذات، وإلا لاحتيج إلى علم آخر به يعلم ذلك العلم، وكذلك المحسوس بالذات هو الأثر الحاصل في الحس، فأما الشاء الذي ذكر الأثر أثره، فهو محسوس بالعرض، وذلك الأثر المحسوس بالحقيقة هو بعينه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت