فهرس الكتاب

الصفحة 191 من 194

الحس، وإلا كان يتسلسل، لأنه لو كان يجب أن يتكرر ذلك الأثر في الحس حتى يصير حسا، لكان الكلام في الأثر الثاني كالكلام في الأثر الأول، وكذلك يستمر الكلام إلى ما لا نهاية. فإذن واجب الوجود عقله ما هو معقول، وكذلك كل مجرد عن المادة، وكل ذلك هو الوجود المجرد عن المادة.

كل ما كان وجوده لذاته، فوجوده معقوليته. كل ما كان وجوده لغيره فوجود معقوليته لغيره.

ولما كان واجب الوجود مبدءا لجميع الموجودات على ترتيب الموجودات، وكان عاقلا لحقيقة ذاته، كان أيضا للوازمه، لأن ما يعقل شيئا بالحقيقة فإنه يعقل (لا غير) لوازمه. ووجود لوازمه أيضا هو معقوليتها، فلا يجوز أن يقال إنه عقلها فوجدت، ولا أنها وجدت فعقلها، وإلاّ كان يلزم محالان: أحدهما أنه يتسلسل إلى ما لا نهاية، فإنه كان يسبق كل وجود لازم، عقل واجب الوجود له، وكل عقل واجب الوجود لتلك اللوازم، وجودها.

علة وجود لوازمه عقليته لها، فيجب أن تكون معقولة له قبل وجودها، فيجب أن تكون موجودة حتى يعقلها.

إن فرضنا أن تلك اللوازم يجب أن يكون وجودها غير معقوليتها، فيجب أن يسبق كل وجود معقولية، وكل معقولية وجود، فيتسلسل، فيقال: إنما صارت موجودة لأنه يسبقها التعقل، وإنما عقلها لأنه سبق عقليتها الوجود، إذ كان ما ليس بموجود ليس بمعقول. إذ كان يلزم أيضا محال آخر، وهو أنه إنما صارت تلك اللوازم معقولة لأنها موجودة وإنما صارت موجودة لأنها معقولة، فيلزم أن يكون عقلا، لأنه عقل. فكان يلزم أن يكون علة وجودها وجودها، وعلة معقوليتها معقوليتها، فكانت تصير معقولة لأنها معقولة وموجودة لأنها موجودة. فإذن يجب أن تكون نفس وجود هذه اللوازم نفس معقوليتها، كما أن نفس وجود الأول نفس معقوليته.

تلك اللوازم معلوميتها هى نفس وجودها لازمة للأول، ويعنى باللوازم معلوماته.

الوجود وجودان: عقلى وحسّى، والعقليات نفس معقوليتها وجودها، والحسيات نفس محسوسيتها وجودها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت