فهرس الكتاب
ولو لا أنّ الأعمال بالنيات، لكان كثير من أدعية هؤلاء غير مقبول، ولكن الله سميع الدعاء، ناظر إلى الضمائر، عالم بالمقاصد، لا يحمل إصرا على الضعيف، وليس بصحيح قول بعضهم: إنّ الدعاء يجب أن يكون معربا، ليكون عند الله مقبولا، إذا لكان سيبويه أنجح النّاس دعاء.
ولا يجب أن يظن أنّ المطوف ينحصر تلقينه هذه الأدعية وهذه الجمل بالهندي والسندي والجاوي والتركي الخ، بل هو مضطر أن يلقنها أكثر الحجّاج، حتى من العرب، لا سيما العوام والنساء والأحداث، ولا فرق بينهم وبين الحجاج الأعاجم، إلا في كون العربي يعيد الكلمة من أول مرة على وجهها، ولا يذيق المطوّف عرق القربة في تعليمه إياها كما هو شأن الأعجمي.
وقد صارت للمطوفين وطوافيهم عادة، أنّهم بمجرد ما يرون طائفا يتطوّف بالبيت العتيق جاءوا إلى جانبه، وجعلوا يلقنونه ما يحسن أن يقوله، حتى لو كان الإمام الغزالي، أو السيد محمد رشيد رضا من أئمة زماننا، وذلك ناشئ عن أنّهم لا يعرفون الناس، ولا يفرقون بين العالم والجاهل.
وقد جاءني واحد من هؤلاء وأنا أطوف، وجعل يقول لي: قل اللهم كذا، اللهم كذا، حتى أعيدها من بعده، فقلت له: أنا غير محتاج إلى من يعلّمني العربية، ولا كيف يجب أن أخاطب بها ربي.
هذا والمطوّف هو الذي يكفل جميع حاجات الحاجّ وأغراضه، منذ يطأ رصيف جدة، إلى أن يطأ سلّم الباخرة قافلا، فيحمله إلى مكة ثم
خير دنياه وآخرته، وقد اقترحت على الملك أن يأمر بتعليم المرشّحين لهذه المهنة تعليما خاصا، بحث يكونون من المتفقهين في الدين، وقادرين على إتقان خدمتهم للحاج من كل وجه، ولا بدّ أن يفعل إن شاء الله تعالى.